عمر حرقوص

ما بعد علي خامنئي

كيف يعيد النظام الإيراني إنتاج نفسه إذا اهتز رأس السلطة؟

6 دقائق للقراءة

المصدر: The Beiruter

كتب عمر حرقوص في موقع The Beiruter المقال الآتي:

كيف سيكون شكل السلطة الحاكمة في إيران بعد الحرب، وهل ستستمر الجمهورية الإسلامية أم تتغير الحال إلى شكل جديد من الحكم، أم تذهب البلاد إلى الانقسام بحسب القوميات؟ الأسئلة كثيرة ولكن بحال بقي الحكم كما هو فإن هناك أشكال عدة لإدارة البلاد.

في الأنظمة الشخصانية، غالباً ما يؤدي غياب القائد إلى فراغ سياسي يتحول سريعاً إلى صراع مفتوح على السلطة. غير أن إيران منذ وصول روح الله الموسوي الخميني إلى الحكم لم تُبنَ السلطة كنظام زعامة فردية تقليدية، بل كمنظومة مركّبة تتداخل فيها الشرعية الدينية مع البنية الدستورية والأمنية، وتتشابك فيها المؤسسات الرسمية مع شبكات النفوذ غير المرئية. لذلك فإن السؤال الأكثر دقة ليس: من سيخلف المرشد؟ بل: كيف سيتصرف النظام إذا اهتز رأسه؟

التجربة التاريخية تقدم مؤشرا بالغ الدلالة، فعندما توفي الخميني عام 1989، لم تدخل البلاد في فراغ طويل أو فوضى عارمة رغم أن موته جاء بعد أشهر قليلة من انتهاء الحرب مع العراق التي خسرت فيها إيران مئات آلاف الشبان من المشاركين في الحرب. يومها تحركت النخبة الدينية والسياسية بسرعة عبر مجلس خبراء القيادة، وأُعيد ترتيب التوازنات الداخلية بما يضمن الاستمرارية، كان الانتقال آنذاك لحظة إعادة تشكيل داخلية، بنت شكل المؤسسات ومستقبلها.

اليوم، تبدو الظروف أكثر تعقيداً، الحرب لم تعد غارات فقط، بل تطورت إلى ملاحقة البنية السياسية والأمنية، فالمواجهة الإقليمية تتخذ أشكالاً متعددة، فيما يبقى الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل عاملاً ضاغطاً بشكل دائم، كذلك تتفاقم الضغوط الاقتصادية، والاحتجاجات الاجتماعية تتزايد رغم القمع. في هذا السياق، يصبح "ما بعد المرشد" سؤالاً يمس بنية الدولة لا مجرد هوية شاغل المنصب.

انتقال منظم.. أولوية الاستمرارية

الاحتمال المرجح بحسب مصادر "بيروتر" في طهران يتمثل في فقدان القيادة الرئيسية مع بقاء التنسيق المؤسسي قائماً، فالدستور الإيراني يحدد آلية واضحة لاختيار خليفة عبر مجلس خبراء القيادة، مع إمكانية تشكيل مجلس قيادة مؤقت إذا اقتضت الضرورة. لكن النصوص وحدها لا تفسر صلابة النظام، فالأهم هو البنية الفعلية التي تشكلت خلال العقود الأربعة الماضية.

هناك شبكة تضم القضاء، ومجلس صيانة الدستور، والمؤسسات الدينية المركزية، والأهم من ذلك كله الحرس الثوري الإيراني، الذي تطور من قوة عسكرية عقائدية إلى فاعل سياسي واقتصادي عابر للمؤسسات، هذه الشبكة المسيطرة على البلاد صُممت لضمان الاستمرارية وتقليل أثر الصدمات الفردية.

في هذا الإطار، قد تبرز شخصيات دينية أو مؤسساتية بوصفها نقاط توازن أكثر من كونها زعامات يمكنها أن تكون في قيادة السلطة. من بين الأسماء المتداولة صادق لاريجاني وغلام حسين محسني إيجئي، إلى جانب رجال دين محافظين مثل محمد مهدي ميرباقري. كما يُطرح اسم علي خميني بوصفه جسراً رمزياً مع إرث المؤسس، وإن كان أي دور محتمل له سيبقى محكوماً بإرادة المؤسسات لا بمبادرة فردية.

في هذا السيناريو، لن يكون الهدف إعادة تعريف النظام أو مراجعة ثوابته، بل إعادة تثبيته، فالانتقال سيكون أقرب إلى عملية "إعادة توزيع" للسلطة داخل الإطار القائم، مع الحفاظ على الخطوط الإستراتيجية الكبرى.

اضطراب مزدوج.. نحو مزيد من العسكرة

السيناريو الأكثر حساسية يفترض اهتزاز القيادة العليا بالتزامن مع شلل أو استهداف الحلقة المنسقة خلف الكواليس: شخصيات محورية في القضاء أو الأمن أو الدوائر التي تدير التوازنات الدقيقة داخل النظام. نظرياً، قد يؤدي ذلك إلى ارتباك مؤقت داخل النخبة.

غير أن بنية الحرس الثوري لا تقوم على مركز واحد قابل للتعطيل، بل على شبكة متعددة المستويات تمتلك قيادات إقليمية ومنظومات استخبارات مستقلة نسبياً، فضلاً عن نفوذ اقتصادي واسع. استهداف القمة لا يعني شلّ القاعدة. في مثل هذا الوضع، يصبح الحرس الثوري المرشح الطبيعي لتولي دور المنسق الأعلى، سواء عبر دعم مجلس قيادة مؤقت أو فرض تسلسل قيادي سريع.

النتيجة في هذه الحالة لن تكون تفككاً للدولة، بل انتقالاً أكثر وضوحاً نحو الطابع الأمني الصريح أو ما يعرف بالدولة القمعية. قد تتراجع الاعتبارات الفقهية أمام منطق "إدارة الأزمة"، ويتعزز موقع المؤسسات الأمنية في صناعة القرار. إنه انتقال منظم، لكن بملامح أكثر عسكرة.

الاعتدال التكتيكي.. بقاء لا تحول

يبقى السيناريو الثالث مرتبطاً بتقاطع ضغوط داخلية وخارجية متزامنة: اضطراب في القيادة، أزمة اقتصادية خانقة، وتصعيد دولي وإقليمي يهدد الاستقرار الذي يقوم عليه النظام. عندئذ قد يتجه النظام إلى ما يمكن وصفه بـ "الاعتدال التكتيكي".

قد تعود إلى الواجهة شخصيات ذات خطاب أقل صدامية مثل حسن روحاني أو حسن خميني، بهدف تخفيف الاحتقان الداخلي وفتح قنوات تفاوض دولية. لكن الاعتدال هنا لن يعني تحولاً أيديولوجياً عميقاً في إدارة البلاد أو الرؤية المستقبلية للعلاقات مع المحيط. ولذلك سيحاول النظام إبقاء العمل على البرنامج النووي كأداة ردع إستراتيجية ولو بالسر، ودور الحرس الثوري في الإقليم عبر الميليشيات المرتبطة به لن يُلغى، كذلك فإن الثوابت الكبرى للسياسة الخارجية ستظل قائمة.

ما قد يتغير هو الأسلوب في الإدارة والتفاوض، ولكن ليس في جوهر المنظومة، إنه تكيف تكتيكي مع ميزان القوى، لا مراجعة شاملة للعقيدة السياسية.

هل الانهيار وارد؟

رغم كثرة التكهنات التي تتحدث عن احتمال تفكك الدولة إذا اهتز رأس السلطة، فإن الاحتمال الأكبر ليس انهياراً دراماتيكياً، بل إعادة إنتاج للسلطة بإحدى صيغتين: انتقال منظم يعيد تثبيت الاستمرارية، أو انتقال أكثر عسكرة يعمّق الطابع الأمني للدولة.

لقد شكّل علي خامنئي، منذ توليه المنصب عام 1989، نموذج الزعيم الذي رسّخ أيديولوجيا الثورة وعزز نفوذ الحرس الثوري في مفاصل الدولة. ومع أي اهتزاز محتمل في قمة الهرم، لن يكون التحدي في اختيار اسم بديل فحسب، بل في قدرة المنظومة على ضبط الإيقاع ومنع تحول الفراغ إلى فوضى.

ما بعد المرشد..

هناك احتمالات عدة لإنتاج السلطة بعد موت علي خامنئي، أولها تعيين قائد جديد قوي يفرض الاستمرار بالمواجهة، ويكون نموذجا شبيها لمن سبقه، وهذه المهمة لها شخصياتها الدينية، وثانيها فشل خلال المرحلة المقبلة بإدارة البلاد، بظل الضربات المتواصلة، ما يعني عودة الحركة إلى الشارع ما يؤدي لاهتزاز النظام وإمكانية انهياره.

وثالثها، تغيير قيادي كبير ينحني أمام العاصفة متشابها مع ما فعلته اليابان في الحرب العالمية الثانية، ويتحول إلى شريك مع الإدارة الأميركية والمجتمع، مثلما تفعل القيادة الفنزويلية في الوقت الحالي.

في جميع الحالات نحن أمام إعادة إنتاج للنظام لا اختراع واحد جديد، وانتقال منظم يعيد تثبيت الاستمرارية،

أو انتقال أكثر عسكرة يعمّق الطابع الأمني للدولة. أما الاعتدال فسيكون أداة بقاء تكتيكية، لا تحولا بنيويا، إلا إذا قرر المجتمع الدولي أن يدفع ثمن هذا التغيير مهما كان كبيرا، وهو ما سيظهر خلال الأيام المقبلة.