بعد حوالى أسبوع من مثول الممثل أسعد رشدان أمام "المباحث الجنائية المركزية" في بيروت حيث خضع للتحقيق على خلفية الشكاوى المقدّمة ضده من رئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل ومن أحد المحامين، على خلفية تصريحات أدلى بها رشدان، كسر الفنان اللبناني صمته متحدثًا لـ "نداء الوطن" بإسهاب عمّا جرى معه، واضعًا الأحداث في سياقها كما يراها، ومؤكدًا تمسّكه بمواقفه السياسية وقراءته لما يجري في البلاد.
يختصر الممثل أسعد رشدان ما جرى معه في الأسابيع الماضية على خلفيّة كلام أطلقه في مقابلة مصوّرة، بالقول: "عندما قارنتُ بين الضحايا، قصدتُ أن لا فرق في الموت بين طفل وآخر، ولا بين رجل وامرأة، لأن السؤال طُرح وكأن المقصود به ابتزازي أو استفزازي. قناعتي لا تتغيّر، ولست "إبن مبارح"، فأنا دائمًا أعرف ما أقول". ويضيف رشدان في حديثه مع "نداء الوطن": "البعض غاضب مني ومن كل السياديين سلفًا، ولا يريد أن يسمع، والدليل الرسائل التي وصلتني. لذا أنصح بأن تُسمع المقابلة وتُشاهَد كاملة. هم أساؤوا الفهم ولست أنا من أساء التعبير أبدًا، وما قيل لم يكن عبارة مقتطعة، بل حوارًا أخذ مداه، والتصعيد كان مقررًا من جهتهم مهما قلت".
يعتبر رشدان أن كلّ السياديين في لبنان موضوعون ضمن دائرة الظلم مهما قالوا أو فعلوا، ويرى أنه ليس الأول ولن يكون الأخير، لذا لم يُفاجأ أبدًا بما حصل، بل ويعتبر أن "القضية ليست قضية رأي عام، بل قضية الميليشيا التي تستقوي على الناسبالسلاح وبفائض القوة، ناهيك أن 75 % من الشعب اللبناني تضامن معي". وأكد أن موقفه لم يكن زلة لسان، بل موقفًا سياسيًا واضحًا لا تراجع عنه، "فأنا أجريتُ مئات المقابلات، وكلّها متشابهة في المضمون، ما يختلف فقط هو أسلوب طرح الأسئلة. وكوني صريحًا وصادقًا، أجيب وفق قناعتي الراسخة والمنطق".
ويشرح رشدان: "عندما بدأنا نتحدث عن المَحاور، شعرت أن المشكلة ستقع، لكنني لم أتوقع تدخل القضاء لأنني لم أقل شيئًا يستحق ذلك. لكنني فوجئت بدعويَين، الأولى من رئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل، لا تستحق الكلام عنها وانتهت خلال خمس دقائق، ولن أعطيه شرف الكلام عنه بعد الآن، لكنه سيبقى شغلي الشاغل حتى نهايته السياسية. والثانية، كانت إخبارًا من محامٍ "درجة رابعة كذاب ومزوّر"، فضحتُه بالأدلة الثابتة، ما أثار دهشة المحقق واقتناعه بما قلت. كلّ ذلك جرى في أقل من ربع ساعة، أما باقي الوقت فكان لكتابة التقارير والمعاملات الإدارية".
تحقيق قانوني وشفاف
يصف الممثل أسعد رشدان التحقيق الذي أجري معه الخميس الماضي بأنه "كان قانونيًا وشفافًا حسب الأصول مع الاحترام الكامل، وليس سياسيًّا. في ما يخصّ النائب جبران باسيل طُلب مني ألّا أتوجه إليه بالشخصي بل بالسياسة، ولا مشكلة لديّ في ذلك. سألتُ إن كان عليّ حذف المنشور، فقيل لي يكفي حذف كلمة "حقير" التي نعته بها، فحذفتُها. وطُلب مني أن أؤكد أنني لم أقصد المسّ بالسلم الأهلي أو إثارة النعرات الطائفية أو التشجيع على قتل الأطفال، فأكدت، لأن هذا كلّه لم يحصل ولن. وهنا أشكر قسم "المباحث الجنائية" على مهنيتهم واحترامهم".
رشدان لفت إلى أن ثمّة "إعلاميّين محترفين وموضوعيّين يضعون عناوين ذكية ومشوّقة من دون تجاوز الأخلاق، أما بعضهم الآخر… "ع الله". لن أقول أكثر من ذلك. فعلًا، عيب".
نسأله عن كيفيّة تفاعل النقابات الفنية مع ما جرى معه، فيجيب: "فاجأتني "نقابة ممثلي المسرح والسينما والإذاعة والتلفزيون" ببيان هجومي، علمًا أنني لست عضوًا فيها. وعندما سألتُ عن السبب، جاء التبرير أسوأ من السبب. قيل إنهم تلقوا اتصالات من بعض "الموتورين" ومن عناصر حزبية، فاستجابوا لهم وأصدروا البيان. فبدلًا من أن يقولوا إنني لست معنيًا بنقابتهم، نزلوا عند رغبة المتصلين وأصدروا البيان. لكن في المقابل، العديد من الزملاء تضامنوا معي علنًا وآخرون عبر الاتصالات والرسائل. أما "نقابة الفنانين المحترفين"، فلم تُصدر أي بيان". ويتابع رشدان قائلًا إن "الدعم الرسمي كان رائعًا. تلقيت اتصالات مباشرة من وزراء ونواب، ومن الدكتور سمير جعجع، واتصالَين من الرئيسَين ميشال سليمان وفؤاد السنيورة. والصديق المحامي إيلي محفوض كان إلى جانبي مع فريق مكتبه، وكذلك "مكتب الإعلام والتواصل" في "القوات اللبنانية"، إضافة إلى حضور النائب السابق إدي أبي اللمع، واتصال المحامي مجد حرب الذي وضع مكتبه بتصرّفي عند الحاجة".
رشدان حرص على التأكيد أننا في مرحلة "لا أحد ممنوع من التعبير عن رأيه كما كان يحصل في عهود الوصاية وعهد الرئيس ميشال عون وصهره النائب جبران باسيل. لكن المشكلة مع مخلّفات تلك العهود من ميليشيات ترهيبية باتت معروفة وممجوجة".
خاتمة الأحزان
وفي شأن التطورات الأمنية والعسكرية المستمرة منذ أيام في لبنان، يقول رشدان: "قرار مجلس الوزراء بشأن "حزب الله" تأخر كثيرًا ونتج عن هذا التأخير موت مئات المواطنين واستشهاد عناصر وضباط من المؤسسة العسكرية. نحن أمام أزمة وجودية مفصليّة وتحوُّل تاريخي بعد سنوات من الاحتلال السوري الأسديّ المقيت للبنان وتفلّت السلاح بأيدي مجرمين قتلوا خيرة قياداتنا ومسؤولينا من دون رفة جفن. لكن كما يقول "الحكيم" الدكتور جعجع: في النهاية لا يصح إلا الصحيح".
وأضاف: "دفعنا ثمن الصراعات الإقليمية كل تلك الفترة، وما يجري اليوم سيكون خاتمة الأحزان. فالمجتمع الدوليّ اقتنع أخيرًا بما حذرنا منه نحن الأحرار على مدى عقود، وهو يعمل الآن على التصحيح، ويدفع من رصيده كلفة ذلك". وأشار رشدان إلى أنه "وكثيرين مثلي ضحية فائض القوّة الذي قوّض الدولة وقمع كلّ من لا يوافقه الرأي، وقد تعلّمت ممّا جرى أن الجرأة في قول الحق والمجاهرة به هما الدواء الناجع الوحيد لصدّ الفكر الظلامي الطاغي على المشهد الوطني العام".
الفنان صوته مسموع
يتمنى الممثل أسعد رشدان أن يُصنَف "مناهضًا للإرهاب، فمواقفي السياسية معروفة منذ ولادتي، وأجاهر بها كل يوم. لا يمكن إرضاء أو إغضاب كلّ الناس، فهناك دائمًا نصفٌ راضٍ ونصف آخر غاضب. ولو عاد بي الزمن، لا أتراجع عن قناعاتي، لكن إذا أخطأت أعتذر بالقوّة نفسها".
رشدان يعتبر أن الفنان مواطن صوته مسموع، وعليه أن يعبّر عن الأسى الذي لا يستطيع غيره من المواطنين التعبير عنه. ويؤكد: "لا يفصلني عن قول كلمة الحق بصوت عالٍ إلا الموت. لو خُيّرت، لقلت ما قلته ولكرّرته ألف مرة ومرة، فالحق والمنطق لا يُساوَم عليهما ولو بطلوع الروح… والسلام لصانعي السلام".
وقبل أن ننهي حوارنا مع الممثل أسعد رشدان، لا بدّ من سؤال عن جديده التمثيلي، أما جوابه فكان أن "البطالة تجتاحنا منذ سنوات، ولا شيء جديدًا في ذلك. عندما تتغيّر المعادلة سيتغيّر كل شيء، وسيفتشون عن أمثالي "بالفتيلة والسراج". أعمل وما زلت مع الإخوة السوريين، وأنا لست بحاجة إلى الظهور، فخمسون سنة من العمل المتواصل لا يمحوها ترهيب ولا مصالح".