استمرّت الحرب الإقليمية بالتوسّع لليوم الخامس تواليًا أمس، معمّقة خسائر إيران الفادحة من طهران إلى قبالة سواحل سريلانكا. أوصل نظام الجمهورية الإسلامية نفسه وأذرعه إلى صدام تاريخي ومصيري مع أعدائه. هذا الصدام قد يكون بمثابة المسمار الأخير في نعشه بعدما فقد شرعيّته الداخلية بسفكه دماء معارضيه في شوارع إيران وأحيائها، مرتكبًا إحدى أشنع المجازر في التاريخ الحديث. يُقاتل نظام الملالي للبقاء بكلّ ما أوتي من قوّة، بيد أن موازين القوى ليست في مصلحته إطلاقًا، ما يجعله يصوّب جام غضبه على جيرانه، وقد يتخذ خيارات أكثر "انتحارية" مستقبلًا كلّما شعر بأن وضعيّته تسوء. تستنزف الحرب قدرات طهران العسكرية بشكل كبير وسريع، وتُدخل هجماتها الصاروخية والمسيّرة مرحلة التآكل، في مواجهة تفوّق جوّي وبحريّ هائل لآلة "الغضب الملحمي" العسكرية. تُعيد واشنطن وتل أبيب صياغة شرق أوسط جديد على أنقاض المشروع الإيراني المتداعي في المنطقة.
ومع اتساع رقعة الحرب بإغراق غوّاصة أميركية سفينة حربية إيرانية قبالة سواحل سريلانكا، وبتدمير دفاعات حلف "الناتو" الجوّية صاروخًا باليستيًا أطلقته إيران وهو في طريقه إلى المجال الجوّي التركي، تباهى الرئيس ترامب بموقع بلاده القوي للغاية في مواجهة إيران، وسخر من مسؤوليها قائلًا: "يبدو أن كلّ من يريد أن يصبح قائدًا، ينتهي به المطاف ميتًا". وعقد وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث إحاطة إعلامية مع قائد الأركان المشتركة دان كين، حيث حسم هيغسيث أن بلاده تفوز "بشكل حاسم ومدمّر"، مؤكدًا أن مزيدًا من الأصول العسكرية سيصل قريبًا إلى المنطقة، إذ توعّد بأن موجات أخرى من الهجمات "أكبر وأكثر قوّة" قادمة، محذرًا من أنه "ما زلنا في البداية فقط". وكشف أن قائد الوحدة الإيرانية السرّية التي خطّطت لاغتيال ترامب عام 2024 قُتل. كما رأى أن الصين وروسيا "ليستا عاملًا مؤثرًا" في الحرب.
وأكد هيغسيث أن غوّاصة أميركية أغرقت سفينة حربية إيرانية "كانت تعتقد أنها آمنة في المياه الدولية"، كاشفًا أن الهجوم شكّل أوّل عملية إغراق لسفينة معادية بواسطة طوربيد منذ الحرب العالمية الثانية. وأفادت سريلانكا بأنها أنقذت 32 شخصًا وانتشلت 87 جثة بعد الهجوم على السفينة، فيما بقي عشرات الآخرين في عداد المفقودين. بدوره، تحدّث كين عن أن "عدد صواريخ إيران الباليستية على مستوى مسرح العمليات التي أُطلقت انخفض بنسبة 86 في المئة مقارنة باليوم الأوّل من القتال". وكشف "تراجع عدد الطائرات المسيّرة الهجومية الأحادية الاتجاه التي أُطلقت بنسبة 73 في المئة"، بعد حملة مكثفة استهدفت أكثر من 2000 هدف إيراني وأصابت أو أغرقت 20 سفينة حربية إيرانية.
توازيًا، كشف الجيش الإسرائيلي أنه استهدف مجمّعًا عسكريًا كبيرًا تابعًا للنظام الإيراني وبداخله مقرّات قيادة وجنود من كلّ أذرع المؤسسة الأمنية في شرق طهران، مشيرًا إلى أنه استهدف مقرّات "الحرس الثوري"، و "الباسيج"، و "فيلق القدس"، والقوات الخاصة للأمن الداخلي، ووحدة الدعم وإحباط التظاهرات التابعة للأمن الداخلي، ومقرّات العمل السيبراني. واستهدف مجمّعًا لتخزين صواريخ من طراز "قادر" في أصفهان. كما أفاد بأن مقاتلة من طراز "أف 35 آي" أسقطت طائرة حربية إيرانية من نوع "ياك 130" فوق الأجواء الإيرانية، ما شكّل أوّل عملية إسقاط لطائرة حربية من قِبل مقاتلة من طراز "أف 35". وذكر أنه استهدف هيئة الإمداد واللوجستيات التابعة للقوات البرية للنظام، بالإضافة إلى منصّات إطلاق صواريخ ومنظومات دفاعية، في وقت استمرّت فيه الهجمات الإيرانية الصاروخية والمسيّرة على إسرائيل.
وبعدما ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" أن عناصر من وزارة الاستخبارات الإيرانية تواصلوا بشكل غير مباشر مع "سي آي إيه" عبر جهاز استخبارات لدولة ثالثة، عارضين مناقشة شروط إنهاء الصراع، نفت طهران هذا الأمر، مؤكدة أنها لا تنوي التفاوض مع واشنطن وأنها مستعدّة لحرب طويلة. لكن موقع "أكسيوس" عاد ليؤكّد لاحقًا أن الإيرانيين أرسلوا رسائل إلى أميركا خلال الأيام الماضية عبر دول في الخليج والمنطقة، بيد أن الولايات المتحدة لم تردّ. وقال مسؤول أميركي للموقع: "تعاملنا مع هذه الرسائل على أنها هراء".
في الأثناء، استمرّ العدوان الإيراني الهمجيّ على دول الخليج، حيث كشفت الدفاع السعودية أن مجمع رأس تنورة التابع لـ "أرامكو" تعرّض لمحاولة هجوم بطائرة مسيّرة لم ينتج عنها أضرار. كما اعترضت الرياض صاروخين من نوع "كروز" في الخرج ودمّرتهما، وطائرة مسيّرة في المنطقة الشرقية. وتحدّث وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، وناقشا التهديدات الإيرانية للاستقرار الإقليمي. واعترضت الدفاع الإماراتية ثلاثة صواريخ باليستية، ورصدت 129 طائرة مسيّرة، اعترضت 121 منها، في وقت أفادت فيه الخارجية الصينية بأن الوزير وانغ يي أبلغ نظيريه السعودي والإماراتي بأن بكين سترسل مبعوثًا خاصًا إلى الشرق الأوسط للتوسّط.
وتصدّت الدفاع القطرية لهجوم بواسطة 10 طائرات مسيّرة وصاروخين "كروز" من إيران، فيما أخطرت "قطر للطاقة" عملاء المشتريات المتضرّرين بإعلان حال القوّة القاهرة، عطفًا على وقفها إنتاج الغاز الطبيعي المُسال والمنتجات ذات الصلة. وتلقى رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن اتصالًا من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي زعم بأن الهجمات الإيرانية كانت موجّهة إلى المصالح الأميركية ولا تستهدف قطر، بينما رفض بن عبد الرحمن هذه الادّعاءات رفضًا قاطعًا. وتوعّد بأن هذه الاعتداءات لا يمكن أن تمرّ من دون ردّ. وفتحت البحرين الباب أمام سكّانها للتطوّع في جهود التصدّي للاعتداءات الإيرانية، في المجالات الصحّية، الهندسية، اللوجستية، الإدارية، الرقابية، وغيرها حسب الاحتياجات الوطنية. وتعامل الجيش الكويتي مع موجة من الصواريخ والمسيّرات في أجواء الكويت. واستدعت الكويت القائم بالأعمال العراقي على خلفية "هجمات شنتها فصائل مسلّحة عراقية استهدفت الأراضي الكويتية".
واستجابت البحرية العُمانية لبلاغ تعرّض سفينة شحن تحمل علم مالطا لقصف بصاروخين قرب مضيق هرمز، حيث أُنقذ طاقم السفينة. وكشف موقع تتبّع حركة السفن "مارين ترافيك دوت كوم" أن حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز انخفضت بنحو 90 في المئة. وعلّقت شركة "ميرسك" معظم حجوزات الشحن من وإلى الإمارات وعُمان والعراق والكويت وقطر والبحرين والسعودية حتى إشعار آخر. وألغي أكثر من 20 ألف رحلة كان من المقرّر أن تتجه إلى المنطقة أو تنطلق منها بين السبت الماضي وأمس.
إلى ذلك، نفى البيت الأبيض صحة تقارير تفيد بأن واشنطن تخطّط لتسليح مقاتلين كرد إيرانيين معارضين للنظام، موضحًا أن ترامب تحدّث مع قادة كرد في شأن القاعدة التي تستخدمها أميركا في شمال العراق. وكان لافتًا ما كشفته شبكة "سي أن أن" أن "سي آي إيه" تعمل على تسليح قوات كردية إيرانية في العراق بهدف تأجيج انتفاضة شعبية في إيران. وأكد مسؤول كردي إيراني كبير أن قوات المعارضة الكردية الإيرانية يُتوقع أن تشارك في عملية برّية في غرب إيران خلال الأيام المقبلة. بالتزامن، أكّدت بغداد لطهران عدم السماح لأي جماعات بالتسلّل أو اختراق الحدود الإيرانية. وكشف موقع "إندبندنت عربية" حصول إنزال جوّي أجنبي في صحراء النجف الثلثاء، موضحًا أن القوّة الأجنبية يعتقد أنها تعود إلى أميركا وإسرائيل وحدثت اشتباكات بينها وبين القوات العراقية. وأفادت قناة "الجزيرة" بمقتل عنصرين في "كتائب حزب اللّه" العراقية بضربة جوية في ناحية الإسكندرية في شمال محافظة بابل. وكشفت مصادر في الشرطة لوكالة "رويترز" مقتل قائد من "المقاومة الإسلامية في العراق" وسائقه في غارة جوية استهدفت سيارتهما جنوب بغداد.