تخلّت إيران عن "صبرها الاستراتيجي" وها هي صواريخها ومسيّراتها العبثية تضرب دولًا عدّة في المنطقة من كل حدب وصوب. وفي خضم تصاعد المواجهة العسكرية والدبلوماسية معها، تتجه الأنظار إلى طبيعة الحسابات التي تحكم سلوك طهران، وإلى مدى واقعية رهانها على إطالة أمد هذه الحرب التي فُتحت على مصراعيها. وبينما تتكثف الضربات ويتهاوى قياديوها وبناها العسكرية وسفنها، تبدو طهران أمام معادلة شديدة التعقيد، حيث تتآكل أوراق قوتها التقليدية، فيما تتزايد كلفة الوقت.
لطالما بنى الإيرانيون استراتيجيتهم للحرب على نقطة أساسية وهي عامل الوقت، إلّا أن هذا العامل يلعب ضدّ "الحرس الثوري" الذي يقود الحرب ضدّ إسرائيل وأميركا اليوم، إذ قالها صراحة ساكن البيت الأبيض إن واشنطن قادرة ومستعدّة للحرب لمدّة طويلة، في رسالة واضحة لطهران بأن رهانها على إطالة أمد الحرب وإنهاك الخصم الأميركي خاسر. وبالتالي، فإن التعويل الإيراني على الصمود ورفع الكلفة الإقليمية من خلال استهداف دول المنطقة، بات خاسرًا في ظلّ المعطيات الراهنة والضغط العسكري المكثف.
حتى خيارات ملالي طهران التصعيدية الأخيرة باستهداف دول الخليج لم تخدم بقاءهم، بل عجّلت بتشكيل جبهة إقليمية ودولية موحّدة ترى في تغيير النظام الإيراني ضرورة لاستقرار المنطقة. وأبرز التحولات في الموقف الإقليمي يتمثل بتبدّل المزاج السياسي والشعبي في دول الخليج تحديدًا، التي كانت تعارض الحرب وتدعم المسار التفاوضي، بيد أنها باتت اليوم ترى في بقاء النظام الإيراني خطرًا وجوديًا عليها. حتى الموقف الأوروبي أصبح موحّدًا ضدّ إيران التي تتصرّف بوهم القوة وحساباتها الخاطئة، ما دفع كلّ الدول إلى سحب الغطاء عنها.
رهان طهران على عامل الوقت يزيد من الأعباء الاقتصادية عليها، فالاقتصاد الإيراني المثقل أصلًا بالعقوبات والتضخم وتراجع العملة، يواجه ضغوطًا مضاعفة في ظلّ هذه الحرب، تستنزف الموارد المحدودة. فالحروب الطويلة لا تُقاس فقط بحجم الخسائر العسكرية، بل بمدى قدرة الدولة على الحفاظ على تماسكها الداخلي واستقرارها الاقتصادي. وفي الحالة الإيرانية، فإن استمرار المواجهة سيؤدّي حتمًا إلى استنزاف مالي متصاعد يقلّص هامش المناورة، ويستنزف الخلافات داخل مراكز صنع القرار حول جدوى الاستمرار في النهج نفسه.
في ضوء هذه المعادلات، تبدو طهران أمام مفترق طرق لا رجعة منه، والاستمرار في هذه الحرب يحمل بلا شك كلفة متصاعدة قد تتجاوز قدرتها على التحمّل، إذ إن الحرب ضدّ إيران ليست مجرّد مواجهة عسكرية، بل اختبار شامل لقدرتها على "الصمود الاستراتيجي" الذي لطالما جاهرت به، وعامل الوقت في هذه الحرب قد يتحوّل إلى عبء بدل أن يكون ورقة ضغط، فالتاريخ يظهر أن الرهان على إطالة أمد الحروب قد يمنح في بعض الأحيان فرصًا للمناورة، لكنه في الكثير منها يتحوّل الوقت إلى خصم لا يقلّ خطورة عن أي عدو خارجي. وبالتالي، فإن الخيارات والفرص أمام إيران باتت محدودة جدًا، ويبدو أن الأيام أو الأسابيع المقبلة ستظهر نتائج رهانات طهران الخاسرة.