جوزيف حبيب

محنة العقل

4 دقائق للقراءة

تُعاني التنظيمات صاحبة العقائد الهدّامة محنةً كبرى في عقلها، غالبًا ما يدفع ثمنها المجتمع المُصاب بوبائها. تكمن المأساة الحقيقية للشعوب حينما تسمح الظروف والتحوّلات لمثل هكذا تنظيمات معطوبة فكريًا من تشييد نظام حكم متكامل، كما حصل بعد استيلاء "الثورة الإسلامية" على مقاليد السلطة وتأسيسها "الجمهورية الإسلامية الإيرانية" لتُصبح أحد أخطر الأنظمة الراعية للإرهاب في العالم. انطلقت هذه الجمهورية الثيوقراطية من "تربة أيديولوجية" متزمّتة وإلغائية، ناصبت العداء العلني للولايات المتحدة وإسرائيل، إنما امتهنت التقية في علاقاتها الإقليمية والدولية متى دعت الحاجة إلى ذلك.

بادر نظام الملالي إلى تكوين أذرع إسلامية جهادية تابعة لـ "قوّة القدس"، ضمن رؤيته الاستراتيجية لتصدير "الثورة الإسلامية" بهدف توسيع النفوذ الإقليمي وإقامة "خطوط مواجهة" متقدّمة ضدّ الدولة اليهودية والوجود الأميركي، وصولًا إلى الغاية الأسمى، وهي أسلمة المنطقة والعالم. أفلحت طهران في نشر ثورتها السوداوية وتعاظمت سطوتها في الإقليم حتى دقت ساعة "طوفان الأقصى"، الذي استحال لعنة على أصحابه وجرف معه الأذرع وقادة "محور الممانعة" تباعًا من غزة إلى طهران. كلّ مخطّطات حكّام الجمهورية الإسلامية وجهودهم، لم تكن كافية لمواجهة التفوّق العقلي والتكنولوجي الأميركي - الإسرائيلي.

دأب نظام آيات الله على تحضير "العدّة اللازمة"، بنظره، لإخراج أميركا من الشرق الأوسط وإزالة إسرائيل من الوجود، إلّا أن الرياح الهوجاء جرت بما لا تشتهي سفنه الرديئة، وأضحى اليوم هدفًا عاريًا أمام "الغضب الملحمي". يواجه ملالي طهران "حربًا وجودية"، ويقف نظامهم الجائر جريحًا وهائجًا على حافة قبره بعد 47 عامًا من "استعماره" إيران. لا ينبغي إغفال أن ثوّار إيران الأحرار هم من ساهموا بكشف وهن النظام وفتحوا بدمائهم وجروحهم وتضحياتهم، فجوة جسيمة ستُمهّد لتحريرهم من نير الطغيان. ينظر المعارضون الإيرانيون إلى الحملة الجوّية ضدّ "فاشيي" العصر، على أنها "تدخل إنساني" لإنقاذ شعب حيّ يتعرّض لجرائم ضدّ الإنسانية.

أضحى نظام الملالي مطوّقًا من الداخل والخارج على السواء. حتى أن سياسة "التوجّه شرقًا" لم تنفعه حين دنت لحظة "الصدام المحتم". فأين حليفاه الصيني والروسي من تطوّرات المنطقة؟ ومتى تُترجم عمليًا كلّ تلك المناورات الثنائية والثلاثية التي كانوا يتباهون بها؟ المعادلة واضحة وموازين القوى تفرض نفسها. لا طائل من التصريحات والدعوات وإرسال المبعوثين، ففي زمن الحرب تبقى الكلمة الفصل للقوّة. طُمِرت طهران تحت أكوام حساباتها الخاطئة المتراكمة حتى انفجرت الأزمات في وجهها على دفعات متتالية، من دون القدرة على احتوائها كما جرت العادة سابقًا. أغرق نظام آيات الله، إيران، بالفساد والفقر والويلات والظلم، فطاف السخط الشعبي إلى السطح مطالبًا بإسقاطه.

عندما غادر ترامب البيت الأبيض بعد انتهاء ولايته الأولى، سارع الموقع الإلكتروني لخامنئي إلى نشر صورة للاعب غولف يشبه الرئيس الأميركي فيما تستهدفه طائرة مسيّرة، مرفقًا بالصورة تهديدًا بالثأر لسليماني. فشلت طهران في تصفية ترامب، ومرّت السنون كلمح البصر قبل أن يستكمل المرشد إدخال بلاده في "التجربة"، ويدفع حياته ثمن خطاياه القاتلة. اغتيل خامنئي وينتظر خليفته المرتقب مصيرًا مماثلًا إذا سار على خطاه. ينزلق النظام المجرم نحو الهاوية وقد يجرّ البلاد إلى أتون الاقتتال الأهلي والفوضى. ما يحصل هو نتيجة طبيعية لسياسات الملالي الكارثية، على أمل أن تنعتق إيران قريبًا من قيود جلّاديها. تمرّ إيران بمخاض عسير والمنطقة تتغيّر بسرعة، ومن لا يستلحق نفسه سيفوته القطار الجديد.