أحدثت التحوّلات التكنولوجية والاجتماعية والثقافية ودخول مناهج التربية الحديثة تحوّلاً لافتًا في أساليب التعليم التقليدية. فانتقلنا من زمن التلقين الأحادي والسلطة المطلقة إلى شراكة تربوية تقوم على الحوار وتبادل المعرفة وتنمية الفكر النقدي.
إلا أن هذا التحوّل التربوي يواجه حاليًا تحديات أعمق نظرًا للظروف الاستثنائية التي نعيشها خصوصًا مع عودة التعليم عن بعد وما يرافق ذلك من ضغوط نفسية على الأساتذة والطلاب معًا. إذ لم يعد يقتصر دور المعلّم على تلقين المعلومات بل على خلق مساحة أمان واستقرار وأمل وتعزيز قدرة الطلاب على التكيّف والصمود مع الأزمات.
اعتمدت المنظومة التربوية في لبنان تاريخيًا على الأسلوب السلطوي، حيث كانت العلاقة هرمية صارمة، والاحترام مرادفًا للخوف وتجنب العقاب، وأنتج الامتثال انضباطًا شكليًا، لكنه لم يكن يبني دائمًا فهمًا داخليًا أو دافعًا حقيقيًا للتعلم. أما اليوم، فقد انتقلنا تدريجًا نحو نموذج أكثر توازنًا يقوم على ما يُعرف بالأسلوب الحازم المتوازن، الذي يجمع بين الدفء العاطفي ووضع الحدود الواضحة. فلم تعد العلاقة قائمة على مبدأ "أطيع لأنني أخاف"، بل على "أحترم لأنني أقدّر".
وانطلاقًا من ذلك، يقول المعالج النفسي أنطوني برصونا: "لم يعد الطالب يبحث عن أستاذ يخشاه، بل عمّن يشعر معه بالأمان ليفتح عقله قبل دفاتره، خصوصًا أن الدماغ لا يتعلم تحت وطأة التهديد".
وعن مفهوم الاحترام يضيف: "لم يعد مفروضًا بالهيبة التقليدية، بل أصبح مكتسبًا بالكفاية والعدالة والانسجام. فقد أثبتت الدراسات النفسية أن الامتثال المبني على الخوف لا يؤدي إلى تعلم عميق، بل يخلق قلقًا وانفصالًا عاطفيًا عن المدرسة".
لذا نقف على عتبة الانتقال من "الهيبة المفروضة" إلى "الاحترام المكتسب"، حيث يكسب الأستاذ المعاصر حضوره من خلال عدالته، معرفته، وقدرته على إدارة الصف بثبات وتعاطف في آنٍ واحد. لكن التحدي يكمن في التطبيق المشوّه لمفاهيم التربية الحديثة. حيث جرى في بعض البيئات، خلط ما بين الديمقراطية والفوضى، وبين القرب الإنساني وإلغاء الحدود.
ويشير برصونا إلى أن أسلوب التربية الأسرية ينعكس بشكل مباشر على سلوك الطالب في الصف. فمن ينشأ في بيئة حازمة ومتوازنة يطوّر مهارات التنظيم الذاتي واحترام القواعد. أما الذي تربّى في بيئة مفرطة التساهل، فقد يعاني من شعور مفرط بالاستحقاق وضعف في القدرة على تحمّل الإحباط. من هنا نلحظ في الجلسات المخصصة للعلاج النفسي أن الطلاب الذين يظهرون تحديًا في الصف يكونون مثقلين بالخوف والقلق. مع الإشارة إلى أن السلوك في الصف ليس دائمًا تمرّدًا بل هو أحيانًا لغة ألم لم تجد من يترجمها.
أمّا عن كيفية تفسيره الجرأة المتزايدة في التعبير عن الرأي في الصف، فيوضح برصونا أن جزءًا منها صحي يعكس استقلالية ورغبة في الفهم والنقاش. في مقابل جزء آخر قد يكون نتيجة دلال مفرط أو حتى استجابة نفسية لضغوط وصدمات متراكمة، خصوصًا في السياق اللبناني حيث عاش الأطفال سنوات من الأزمات الاقتصادية والأمنية وعدم الاستقرار.
ويضيف: "يعمل الدماغ تحت الضغط في "وضعية البقاء"، ما يجعل ردود الفعل أكثر حدّة واندفاعًا، لذلك، ليس كل تحدّ هو قلة احترام، بل أحيانًا هو تعبير عن توتر غير مُعالج".
وعن دور وسائل التواصل الاجتماعي في تقريب المسافات ما بين الطلاب وأساتذتهم، يجيب: "قرّبت المسافة بينهم، وسهّلت الدعم الأكاديمي، خصوصًا في خلال فترات التعلم عن بعد. لكنها أدّت أحيانًا إلى طمس الحدود المهنية. فعندما يتواصل الطالب مع أستاذه عبر المنصات ذاتها التي يستخدمها مع أصدقائه، وفي أوقات غير رسمية، قد يبدأ تدريجيًا بإسقاط الكلفة واعتبار الأستاذ نظيرًا له. إذًا لا تكمن المشكلة في التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في غياب القواعد الواضحة لتنظيم هذا التواصل".
وعمّا إذا كانت هذه العلاقة المتطوّرة تشكّل داعمًا نفسيًا للطلاب، يقول: "نظريًا نعم. لكن عمليًا، يرتبط الأمر أيضًا بحالة المعلّم النفسية. إذ يعاني أساتذة كثيرون في لبنان ضغوطًا هائلة واحتراقًا نفسيًا. علينا أن نعترف أن المعلم اليوم ليس فقط ناقل معرفة، بل أحيانًا أب وأم ومرشد نفسي في زمن الأزمات. لا يمكن أن نطالبه بالاحتواء الدائم إذا لم نحتوه نحن كمجتمع. لأن المعلم المستنزف عاطفيًا يصعب عليه تقديم الدعم، مهما كانت نواياه طيبة".
ويلفت برصونا إلى ارتباط مباشر بين جودة العلاقة بين المعلّم والتلاميذ والتحصيل الأكاديمي. "عندما يشعر الطالب بالأمان والدعم، ترتفع كفايته الذاتية وثقته بنفسه، ما ينعكس على اندفاعه وإنجازه. أما في البيئة المشحونة بالصراع أو الإهانة، فإن التوتر يعيق العمليات المعرفية الأساسية المسؤولة عن الفهم والتذكر. وانطلاقًا من ذلك لا نرى الدعم النفسي كرفاهية تربوية، لا بل كشرط أساس للتعلم الفعّال".
وعن كيفية بناء علاقة صحيّة بين الطرفين، يؤكد أنها تقوم على معادلة دقيقة:
- تعاطف دون تسيّب، وحزم دون قسوة.
- وضع قواعد واضحة منذ البداية، تطبيقها بعدالة وثبات.
- تجنب صراعات القوى العلنية، وتعزيز السلوكيات الإيجابية بشكل مستمر.
ويعتبر أن بناء العلاقة لا يعني أن يصبح الأستاذ صديقًا للطلاب، بل مرجعية آمنة لهم. فالحدود الواضحة لا تُضعف العلاقة، بل تمنحها إطارًا يشعر الطالب داخله بالأمان. ويشدد على مسؤولية الأسرة في غرس مفاهيم الاحترام وتحمل المسؤولية عند الأولاد، وعدم تقويض صورة المعلم أمامهم. فالاحترام المتبادل لا يُبنى داخل المدرسة فحسب، بل هو ثمرة شراكة بين البيت والمؤسسة التربوية، على أن يصبح الطالب مع تقدّمه في السنّ، مسؤولًا بنفسه عن تطوير مهارات التنظيم الذاتي وضبط الانفعال واستخدام الحوار بدلاً من التمرد.
ويختم قائلاً: "ليست المدرسة مكانًا لتلقين المعلومات فحسب، بل مساحة تتشكل فيها صورة الطفل عن نفسه. إذ قد ينسى الأستاذ ما شرحه في الحصة، لكن الطالب لا ينسى أبدًا كيف جعله يشعر. لقد انتهى زمن الهيبة المبنية على الخوف. الهيبة الحقيقية اليوم تُبنى على الحضور الواثق، العدالة، الاتساق، والقدرة على أن تكون صلبًا في القواعد… دافئًا في الإنسانية.