هل فعلاً "حزب الله" مهزوم ؟
و هل تتطابق معايير الهزيمة الكلاسيكية مع ميليشيا تعتمد ال parallélisme politique ؟
إنّ الحروب، مهما استعرت نارها وارتفعت شعاراتها، تنتهي في نهاية المطاف إلى مصيرٍ واحد: أن تُطوى صفحاتها على طاولة السياسة بعدما تعجز البنادق عن كتابة الخاتمة. غير أنّ هذه الحرب، على ما يبدو، ليست كسابقاتها من حيث المآل الرمزي للأطراف التي خاضتها. فالتاريخ يعلّمنا أن القوميات، حين تتواجه، نادرًا ما تُفني إحداها الأخرى؛ بل إن أقصى ما تفعله هو أن تُجبر خصمها على تغيير موقعه في المسرح، لا على مغادرة المسرح نفسه. القومية لا تهزم القومية بقدر ما تعيد توزيع أدوارها.
ومن هذا المنظور، فإن ما يجري في الإقليم ليس مجرد صراعٍ عسكري بين إسرائيل و أميركا وإيران أو بين إسرائيل ووكلاء إيران، بل هو لحظة إعادة تعريف للأدوار العميقة داخل البنية الطائفية والسياسية للشرق الأوسط. فالدور الذي أدّاه "حزب الله"، ومعه التيار الشيعي الذي تبنّى خطاب «المقاومة» أو «الممانعة»، كان في العقود الماضية دورًا عسكريًا – أمنيًا بامتياز؛ دورًا بُني على فكرة الحماية والردع واحتكار السلاح كأداة تمثيل سياسي. لكن التجربة التاريخية تُظهر أن الأدوار العسكرية ليست أبدية، بل هي غالبًا مراحل انتقالية تفضي في النهاية إلى إعادة تموضع سياسي.
غير أن هذا التحول لا يعني التخلي عن خطاب «الممانعة»، بل إعادة ترجمته في لغة السياسة لا في لغة الجبهات. فالممانعة قد تتحول من فعل عسكري إلى موقع تفاوضي داخل منظومة إقليمية جديدة، حيث يصبح التمثيل السياسي للطائفة الشيعية في دولها ركيزة أساسية في معادلات الاستقرار.
وفي هذا السياق، يعود إلى الواجهة مفهوم قديم في تاريخ الشرق الأوسط: ما يُعرف بـ«تحالف الأقليات». هذا المفهوم ليس اختراعًا حديثًا، ولا فكرة طارئة على الجغرافيا السياسية للمنطقة. فمنذ بدايات القرن العشرين، تشكلت تحالفات ضمنية أو صريحة بين قوى ترى في نفسها أقليات مهدَّدة أمام موجات أيديولوجية أو ديموغرافية كبرى. ومن هنا تبرز فرضية كانت دائمًا مثار جدل تقول إن إمكان قيام تفاهمات غير متوقعة بين أطراف متخاصمة ظاهريًا ليس أمرًا مستحيلًا في منطق السياسة الواقعية.
ففي عالم المصالح، قد يصبح السلام نفسه أداة لإعادة تثبيت الأدوار. وقد يذهب الشرق الأوسط، في لحظة ما، إلى تسويات تتجاوز الخطابات التقليدية، حيث تُقايض الأدوار العسكرية بضمانات سياسية داخل الدول، مقابل ترتيبات إقليمية أوسع تشمل الأمن والاعتراف المتبادل.
الخلاصة التي تفرض نفسها هنا هي أن الشرق الأوسط لا يعيش صراع قوميات بقدر ما يعيش صراع تعريفات. الطوائف ليست كيانات جامدة، بل هويات سياسية يعاد تشكيل أدوارها تبعًا لموازين القوة واللحظة التاريخية. وما نشهده اليوم قد يكون بداية انتقال الدور الشيعي من «قوة مقاومة مسلحة» إلى «قوة سياسية إقليمية» تسعى إلى تثبيت موقعها داخل الدولة، لا خارجها.
غير أنّ الدرس الأعمق الذي تفرضه هذه الحروب ليس عسكريًا بقدر ما هو بنيوي. فالمشكلة في الشرق ليست في وجود الهويات، بل في إنكارها. لقد حاولت الدول طويلاً صهر التعدد في قالبٍ واحد، فكان الناتج صراعًا دائمًا على تعريف الدولة نفسها. من هنا يبرز الحل الأكثر واقعية وإن كان الأكثر جرأة: الفدرالية.
الفدرالية ليست تقسيمًا كما يروّج خصومها، بل هي اعترافٌ ناضج بأن المجتمعات المركّبة لا تُدار بالإنكار بل بالتنظيم. إنها الإطار الذي يسمح للهويات أن تبقى وتتغير في آنٍ واحد، من دون أن تتحول إلى أدوات حرب أو مشاريع عابرة للحدود. ففي النظام الفدرالي لا تصبح الهوية سلاحًا سياسيًا يهدد مصير الآخرين، بل شأنًا محليًا محكومًا بالدستور والمؤسسات.
وبذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من سيربح الحرب؟
بل: أيّ دور جديد سيولد من رمادها.
ففي هذا الشرق، لا تموت الهويات… بل يعاد تعريفها كل مرة بلغةٍ أخرى.