د. أنطوان مسرّه

الأرشيف الدبلوماسي الفرنسي في كتاب د. أنطوان حكيّم: اكتشاف ومثاقفة تاريخية متجددة

7 دقائق للقراءة
كرسي اليونيسكو – جامعة القديس يوسف

إن صدور الجزء الخامس من موسوعة أرشيف الدبلوماسية الفرنسية حول لبنان للمؤرخ الكبير أنطوان حكيّم هو حدث بالغ الأهمية والضرورة في مجمل تاريخ لبنان. يحمل هذا الأرشيف على اعتماد قراءة أصيلة ومتجددة في آن لتراث لبنان ونقله بعد اليوم إلى الجيل الجديد في زمن الكارثة والانتحار خلف ستار سجالات هي غالبًا ببغائية أيديولوجية ونزاعية.

تتضمن الموسوعة التي تشمل مرحلة استقلال 1943 وثائق لشارل ديغول والجنرال Charles Catroux وبشاره الخوري وسليم تقلا ورياض الصلح وغيرهم من رجال دولة استثنائيين وبناة أمم:


Antoine Hokayem, Le crépuscule du Mandat : De l’Armistice de Rethondes à l’Indépendance du Liban et de la Syrie, 1940-1943, Tome 5, Point Delta, 2026,

870p.


يحملنا د. أنطوان حكيّم الذي سبق أن أصدر سلسلة في خمسة أجزاء بعنوان: "التاريخ بالوثائق" على اعتماد منهجية أخرى في التربية التاريخية لبنانيًا. لا تقتصر هذه التربية على تاريخ لبنان في العلاقات الإقليمية والدولية، بل هي مركّزة على تاريخ اللبنانيين. تحمل الوثائق على التمييز بين الحدث والرأي وعلى قراءة غير حدثية factuelle حصرًا للتاريخ بل ثقافية. ليس التاريخ علم الماضي، كما هو متداول غالبًا، بل علم الإنسان في الزمن الطويل. تشمل الوثائق مرحلة محورية منذ معاهدة Rethondes في 22/6/1940 لغاية آخر 1943.

1. المسألة الشرقية والوضع العالمي: يحمل الكتاب على مراجعة نقدية لما يوصف

بـ َQuestion d’Orient (وثيقة 224). يستخلص من الوثائق بشأن سوريا التي تعاني من انقسامات داخلية عمق كيان سوريا واستقلالها (الوثائق 31، 4/11/1940 و 59، 3/2/1941...) تجاه تيارات أيديولوجية عروبية انصهارية (وثيقة 103، 6/6/1941) وأيضًا بشأن وحدة الكيان الفلسطيني (وثيقة 10، 26/7/1940).

في زمن حيث نعيش عودة البرابرة، تُشكل دعوة Winston Churchill إلى الفرنسيين في 21/10/1940 نموذجًا في البلاغة وعزة النفس والأخلاقية والعمل الإنساني (وثيقة 28، 21/10/1940). يصف الجنرال Georges Catroux اقتراحات الفدرالية العربية والقومية الانصهارية بأنها "وهمية بشأن كل هذه الكيانات" (وثيقة 166، 26/11/1941). لا يعني ذلك إطلاقًا انعدام التكامل الاجتماعي والاقتصادي كما يتبيّن من مشروع إنشاء سكّة حديد تربط بين حيفا آنذاك وطرابلس (وثائق 181، 227، 242، 265...)

2. فرنسا في المشرق: تبين الوثائق الدور المحوري لفرنسا في كل دول المشرق بالرغم من مجمل المداخلات البريطانية ماضيًا والأميركية، غالبًا بفضل شارل ديغول. يتم استقبال ديغول في كل مناطق لبنان بحفاوة مميّزة في زحله وطرابلس وبقناعة راسخة حول موقع فرنسا في لبنان. يكتب Georges Catroux: "إني استلهم من مصالح لبنان التي أنا حريص عليها كما إني حريص على وطني الذي يرتبط بلبنان بعلاقة صلبة" (وثيقة 156، 23/11/1941). يوجد بالتالي خطر كبير في "تراجع فرنسا" (وثيقة 83، 2/4/1941). يقول Georges Catroux: "تعتبر فرنسا لبنان قاعدة لسياستها المشرقية" (وثيقة 151، 12/11/1941). يناقض هذا المسار مداخلات بريطانية (وثائق 207، 308...) ودعاية آنذاك ضد الفرنسيين ومن مصادر ألمانية (وثائق 61، 71...) غالبًا مع "زوبعة من الأكاذيب". يرد في هذا السياق: "هذه هي الوقائع" (وثيقة 104، 6/6/1941).

3. واقع اللبنانيين؟ هل يتعلم اللبنانيون من التاريخ وليس دائمًا في التاريخ كما لدى الشعوب المتخلفة المحكومة بآلية التكرار؟ في مجمل الوثائق إقرار، بدون عقدة نقص، لواقع الكيان اللبناني المتعدد في مذاهبه وأيضًا للخلافات الداخلية المألوفة أو المرضية في كل منظومة سياسية (وثائق 349، 4/10/1943 و 350، 7/10/1943) "كرد "bouderie" مارونية سياسية (وثيقة 159، 28/11/1941).

في مجمل الوثائق، وبخاصة منذ 1940، بروز "وطنية لبنانية" “patriotisme libanais” حسب تعبير Georges Catroux ) وثيقة 284، 19/3/1943)، بخاصة في رسالة هامة إلى اللبنانيين في 19/3/1943 حيث يقول: "إن ركائز حياتكم الدستورية هي الآن قائمة على أسس سليمة bases saines" (وثيقة 284، 19/3/1943). هل أصالة هذه الأسس راسخة في الإدراك الجماعي اللبناني أو ما تزال عرضة لأيديولوجيات واغتراب ثقافي أو يهمل كثيرون التمييز بين الأسس وممارسات سياسية مناقضة؟

4. استقلال شامل سنة 1943... وغير مكتمل! توفر الوثائق الإثبات التاريخي والثقافي لجذور ورسوخ الاستقلال اللبناني الذي تم السعي إليه بكثافة منذ 1940 على الأقل. تتضمن ملاحظات Georges Catroux عمقًا في التحليل لا مثيل له! يقول: "يتضمن مبدأ وحدة لبنان تبريراته الحقوقية" (وثيقة 151، 12/11/1941). حصل إعلان مشروط لهذا الاستقلال في 8/6/1941 من قبل Georges Catroux (وثيقة 108، 8/6/1941 وفي 26/11/1941 و157، 26/11/1941). يقول Georges Catroux بأمانة وصدق: "يجب أن يكون لنا موقف صريح. لا نسعى إلى الاحتيال على الاستقلال، ولكن لدينا موجب التذكير قانونًا وتقنيًا أن الانتداب مستمر ونحن ملتزمون بالتقيّد بموجباته" (وثيقة 371، 8/11/1943). ويجب التوقف عند رسالة مطوّلة لسليم تقلا، وزير خارجية لبنان، إلى Jean Helleu حيث يقول: "يتوجب على أول حكومة دستورية استكمال الاستقلال وتنظيمه لصالح الشعب اللبناني" (وثيقة 364، 25/10/1943).

تثير الإعجاب موجة الدعم العربي لاستقلال لبنان من مصطفى نحاس باشا والملك فاروق وغيرهم (وثائق 384، 11/11/1943 و391 12/11/1943...). يورد بالتفصيل Georges Catroux الموجة الاستقلالية اللبنانية العارمة في رسالة إلى شارل ديغول منتقدًا إجراءات Helleu تجاه الحكومة الاستقلالية (وثيقة 486، 23/11/1943). وينتقد Georges Catroux "الانتداب السلطوي" (وثيقة 441، 17/11/1943). ويورد "المس بالشعور الوطني الذي أحدثته قرارات Helleu" (وثيقة 453، 18/11/1943). ويكتب Georges Catroux بعد مقابلة مع بشاره الخوري "المتألم والرزين physiquement éprouvé et digne". يقول Georges Catroux بوضوح: "لن أعيد تكرار عملية Helleu" (وثيقة 481، 22/11/1943).

في الوثائق وصف للاجماع اللبناني الاستقلالي في طرابلس كما في البسطا! يتألم القارئ لدى إيراد "مقتل طفل في طرابلس سعى إلى انتزاع علم فرنسي من أحد الجنود" (وثيقة 428، 16/11/1943). من هو هذا الطفل المجهول الهوية لنشيّد له تمثالاً على مداخل طرابلس؟ هل تذكره بعض وسائل الإعلام المحلية؟ هل يعرفه بعض الطرابلسيين المسنّين؟ سنوزع بعد اليوم هذه الوثيقة على كل تلامذة لبنان!

تتضمن الوثائق الدبلوماسية تفاصيل حول تعديل الدستور وعدد النواب والحرص على التوازن (وثيقة 329، 16/7/1943). توفر بالتالي الوثائق إضافة بالغة الأهمية إلى أعمال سابقة بخاصة كتاب غسان تويني وفارس ساسين ونواف سلام: كتاب الاستقلال بالصور والوثائق، دار النهار، الطبعة الثالثة، 2001، 325 ص.

تصحح هذه الوثائق الدبلوماسية الجديدة، التي يجب تعميمها وتعليمها، صورة نمطية، وأيديولوجية غالبًا، في ما يتعلق بالانتداب الفرنسي في لبنان وبفضل رجال دولة استثنائيين أمثال شارل ديغول و Georges Catroux. يعرف اللبنانيون نسبيًا الجنرال ديغول. أما Georges Catroux فهو بمستوى كبار الدبلوماسيين في التاريخ! في الوثائق وقائع حوار بين Georges Catroux وبشاره الخوري (وثيقة 524، 20/12/1943). ويتوجه رياض الصلح إلى الجنرال ديغول ويقول: "من واجبي توجيه التكريم للجنرال ديغول الذي أدرك الإرادة المشروعة للشعب اللبناني انسجامًا مع تراث التحرر الفرنسي وبفضل جهوده تحقق إنجاز استقلالنا" (وثيقة 530، 25/12/1943).

***

أية تربية تاريخية لبنانيًا وتاريخ اللبنانيين بعد اليوم؟ بموازاة مجموعة د. أنطوان حكيّم صدر لكرسي اليونسكو لدراسة الأديان المقارنة والوساطة والحوار في جامعة القديس يوسف في بيروت وثيقة بعنوان: أية تربية تاريخية لبنانيًا؟ الأهداف، الخصوصية اللبنانية، المنهجية، التطبيق، مراجع تطبيقية، 2026، 140 ص بالعربية والفرنسية.