يحتلّ المكوّن الشيعي في لبنان موقعًا بارزًا في الحياة السياسية والاجتماعية المعاصرة، وقد صاغ لنفسه، عبر عقود طويلة، صورة جماعية تقوم على مفاهيم المقاومة والتضحية والحرمان التاريخي. هذه الصورة لم تنشأ من فراغ، بل استندت إلى وقائع وتجارب عايشتها الطائفة في مراحل مختلفة من تاريخ لبنان الحديث، حين عانت مناطق واسعة من الجنوب والبقاع من التهميش الاقتصادي والاجتماعي، وشعر كثير من أبنائها بأنهم خارج دائرة الاهتمام السياسي والإنمائي للدولة. في تلك الظروف برزت شخصيات إصلاحية رأت أن معالجة هذا الواقع لا تكون بالانكفاء بل بالانخراط في المشروع الوطني، وكان من أبرزها المرجع والمفكر عبد الحسين شرف الدين الذي دعا إلى الحوار والانفتاح وإلى تثبيت حضور الشيعة ضمن الكيان اللبناني. ثم جاء الإمام موسى الصدر ليحوّل خطاب الحرمان إلى مشروع اجتماعي وسياسي يسعى إلى رفع الغبن عن الطائفة وإدماجها في الدولة، مؤسسًا حراكًا شعبيًا تمثّل لاحقًا في حركة أمل التي رفعت شعار المشاركة الوطنية ورفع الحرمان.
غير أنّ التحولات الكبرى التي عرفها لبنان منذ الحرب الأهلية، ثم الاحتلال الإسرائيلي للجنوب، نقلت هذا الخطاب من إطار المطالبة الاجتماعية إلى إطار المقاومة المسلحة، فبرزت قوى جديدة في مقدمتها حزب الله الذي استطاع أن يرسّخ حضورًا قويًا داخل البيئة الشيعية عبر مشروع مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، مستندًا إلى دعم سياسي وعسكري من إيران. وقد أسهمت المواجهة مع إسرائيل في منح هذا المشروع شرعية واسعة داخل الطائفة وخارجها في مراحل معينة، إذ شعر كثير من اللبنانيين بأن المقاومة تمثل ردًا على عجز الدولة عن حماية أرضها. لكن مع مرور الزمن تحوّلت المقاومة من وظيفة وطنية جامعة إلى عنصر مركزي في تعريف الهوية السياسية للطائفة، وأصبح خطابها جزءًا من بنية السلطة داخل المجتمع الشيعي نفسه.
ومع تكرّس هذا الواقع على مدى ما يقارب أربعة عقود، نشأ نوع من الاحتكار السياسي لتمثيل الطائفة، بحيث تركز القرار الشيعي في إطار قوى محددة، بينما تراجعت التعددية السياسية والفكرية داخل البيئة الشيعية. وقد وفّر هذا التمركز درجة من الانضباط الداخلي، لكنه في المقابل أثار تساؤلات عميقة حول طبيعة القيادة وحدود مساءلتها، وحول ما إذا كانت التجربة السياسية التي نشأت باسم الدفاع عن الطائفة قد استطاعت أن تحقق لها ما وعدت به من تنمية واستقرار وازدهار. فالمناطق التي شكّلت الحاضنة الأساسية لهذه القوى ما زالت تعاني، في كثير من جوانبها، من تحديات اقتصادية وإنمائية كبيرة، الأمر الذي يدفع إلى طرح سؤال مشروع حول ما إذا كانت القوة السياسية والعسكرية التي امتلكتها هذه القيادات قد تحوّلت فعلًا إلى مشروع بناء اجتماعي واقتصادي مستدام.
وليس المقصود من هذه المراجعة التقليل من قيمة التضحيات التي قدّمها أبناء الطائفة الشيعية في مواجهة الاحتلال، فهذه التضحيات حقيقة تاريخية لا يمكن إنكارها. غير أنّ أي تجربة سياسية، مهما بلغت مكانتها الرمزية، لا يمكن أن تبقى خارج دائرة النقد والمساءلة. فالقوة التي تُكتسب باسم الجماعة يجب أن تعود بالنفع على الجماعة نفسها وعلى الوطن الذي تنتمي إليه، وإلا تحوّلت إلى عبء بدل أن تكون مصدر حماية.
ومن هنا يبرز سؤال النموذج الإنساني والأخلاقي الذي قدّمته القيادة الشيعية عندما تصدّرت المشهد السياسي. فالتاريخ لا يقيّم الجماعات فقط بقدرتها على المقاومة، بل أيضًا بقدرتها على بناء دولة عادلة تحفظ التوازن بين القوة والحق، وبين الدفاع عن الذات واحترام الشراكة الوطنية. وقد شهد لبنان في السنوات الأخيرة توترات سياسية عميقة ارتبطت في جزء منها بشعور بعض المكوّنات بأن ميزان القوة الداخلية لم يعد متكافئًا، وأن السلاح الذي نشأ في سياق مقاومة الاحتلال بات يؤثر في المعادلة السياسية الداخلية. وفي بلد يقوم نظامه على التوازن الدقيق بين الطوائف، فإن أي شعور بالاستعلاء أو الاستقواء يترك أثرًا مباشرًا على الثقة المتبادلة بين مكوّناته، ويهدّد النسيج الاجتماعي الذي قام عليه الكيان اللبناني منذ نشأته.
إنّ أحد التحديات الأساسية التي تواجه التجربة الشيعية اليوم يتمثل في ضرورة الانتقال من منطق التفوق الرمزي إلى منطق التكامل الوطني. فالشيعة في لبنان ليسوا جماعة منفصلة عن بقية المجتمع، بل هم جزء أصيل من نسيجه التاريخي والثقافي، وقد شاركوا مع سائر اللبنانيين في بناء هذا الوطن وفي الدفاع عنه. ومن هنا يصبح من الضروري أن تترسخ قناعة واضحة بأن مصير الطائفة لا ينفصل عن مصير بقية المكونات اللبنانية، وأن قوة أي جماعة لا تكتمل إلا بقدرتها على بناء شراكة حقيقية مع الآخرين.
وهذا يقتضي، قبل أي شيء، الإقرار بأن القرارات الكبرى التي تمسّ مصير الوطن، ولا سيما قرارات السلم والحرب، لا يمكن أن تكون حكرًا على طرف واحد، مهما بلغت قوته أو حجم تضحياته. فلبنان دولة متعددة الطوائف والهويات، وأي قرار يتصل بمستقبله يجب أن يكون نتيجة توافق وطني شامل يشارك فيه جميع اللبنانيين. إن إشراك بقية المكونات في هذه القرارات ليس تنازلًا عن دور المقاومة أو إنكارًا لتضحياتها، بل هو شرط أساسي لحماية شرعيتها الوطنية ولتثبيت مفهوم الدولة التي يحتكم إليها الجميع.
كما أن العلاقة مع القوى الإقليمية، وفي مقدمتها إيران، تظلّ مسألة حساسة في الوعي اللبناني. فالدعم الذي قدّمته إيران للمقاومة شكّل عنصر قوة في مواجهة إسرائيل، لكنه في الوقت نفسه أثار تساؤلات حول حدود استقلالية القرار اللبناني. وفي بلد يعاني أصلًا من هشاشة سياسية واقتصادية، يصبح من الضروري أن يتقدّم مبدأ السيادة الوطنية على أي اعتبارات أخرى، بحيث يبقى القرار النهائي مرتبطًا بمصلحة لبنان أولًا وأخيرًا.
إن المرحلة الراهنة، التي تتسم بتعقيدات إقليمية كبيرة وبانقسامات داخلية متزايدة، تفرض على القيادة الشيعية كما على سائر القيادات اللبنانية مراجعة عميقة للتجربة الماضية. فالقوة الحقيقية لا تكمن في القدرة على فرض الوقائع، بل في القدرة على بناء الثقة وإعادة الاعتبار لفكرة الدولة. وقد يكون من المفيد للطائفة نفسها أن تفتح المجال أمام تجديد النخب القيادية، وأن تسمح بظهور أصوات جديدة تحمل رؤية إصلاحية قادرة على الجمع بين روح المقاومة ومتطلبات الدولة الحديثة.
إن القائد الذي تحتاجه الطائفة اليوم ليس مجرد زعيم سياسي أو قائد عسكري، بل شخصية تمتلك حسًا وطنيًا عميقًا، تؤمن بأن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه، وأن مستقبل الشيعة فيه لا يتحقق إلا ضمن شراكة متوازنة مع سائر المكوّنات. قائد يملك شجاعة النقد الذاتي، وجرأة الإصلاح، وقدرة على تحويل قوة الجماعة إلى طاقة بناء وازدهار، لا إلى عنصر توتر في الداخل.
فالتاريخ يعلّمنا أن الجماعات التي تنجح في الدفاع عن نفسها هي جماعات قوية، لكن الجماعات التي تنجح في بناء دولة عادلة للجميع هي وحدها التي تصنع مستقبلًا مستقرًا. وربما يكون التحدي الأكبر الذي يواجه الشيعة في لبنان اليوم هو الانتقال من سردية البطولة التي صاغها الماضي إلى رؤية وطنية جامعة تصنع الغد، حيث لا يكون أحد غالبًا أو مغلوبًا، بل شركاء متكافئين في وطن واحد ومصير واحد.