جولة على سجالات الأسبوع السياسيّة في مواقع التواصل الاجتماعيّ شملت العناوين التالية: "وأحبّ أرضه حتى الموت"، "الحرس الثوري الإيراني على المكشوف"، "عدالة بـ "10 دولارات"؟"، "رفات بعد 40 عامًا وضحايانا بلا دولة".
وأحبّ أرضه حتى الموت
"نحنا مضطرين نضل تحت الخطر لأن هيدي بيوتنا ما رح نتركها مسرح لمين ما بدو يفوت ويستعملها أو يقعد فيها" ..."نحنا مش حاملين غير سلاح السلام والخير والمحبة والصلاة".
بهذه الكلمات رفع كاهن رعية القليعة الأب بيار الراعي صوته مرارًا خلال "حرب الإسناد" عام 2024، وفي الحرب الحالية. لكن "مثلّث الصمود"، رميش - القليعة - دبل، نزف أمس الأول الإثنين باستشهاده.
في الواقع، لطالما رأى عدد من اللبنانيين في تشبّث أبناء هذا المثلّث ومعه القرى المسيحية المحيطة، بأرضهم، أنه "المقاومة الحقيقية". فقد اختاروا البقاء رغم العواصف، لا في حربَي السنتَين الأخيرتَين فحسب، بل طوال عقود، لأن الإيمان بالأرض كان دائمًا أقوى من الخوف.
الحزن غمر صفحات من واكبوا كلمات الأب الراعي خلال الحربَيْن، لكن الغضب والاستنكار كانا الأعلى صوتًا، فالشهيد دفع حياته ثمن إبعاد شبح الدمار عن بلدته، كما اعتبر كثيرون، بعدما قضى متأثرًا بجروح أصيب بها من جرّاء قصف مدفعي إسرائيلي استهدف منزلًا في الطرف الشرقي للبلدة، في حادثة يحمّل أبناء المنطقة مسؤوليتها المباشرة لسياسة "حزب اللّه" العسكرية وتحويل القرى الحدودية إلى ساحات مواجهة حيث تبيّن لاحقًا أن مجموعة تابعة لـ "الحزب" كانت تمرّ في محيط المنزل لحظة القصف.
وعلى مواقع التواصل، تداول كثيرون، لا سيّما من المسيحيين، مقاطع مصوّرة للراعي في مقابلات متلفزة، حيث كان يكرّر فيها تمسّكه بأرضه ورفضه تحويل بلدته ساحة مواجهة، مؤكدًا أن أهل الجنوب يريدون الحياة لا أن يكونوا وقودًا للحروب.
في المقابل، تحوّلت وفاته في نظر كثيرين إلى صرخة اتهام للدولة التي تركت القرى المسيحية الحدودية مكشوفة بين سلاح غير شرعي وغارات لا تميّز، فيما بقي الأهالي وحدهم يدفعون الثمن. وجاءت التعليقات حادّة ومشحونة بالغضب. فكتب أحدهم: "استشهد لأن الدولة اختارت التهاون مع سلاح خارجها"، وأضاف آخر: "دمه في رقبة من عرقل انتشار الجيش اللبناني في الجنوب".
وقد جرى التداول بين مستخدمي مواقع التواصل على نطاق واسع، بغلاف "نداء الوطن" ليوم أمس الثلثاء بسبب عنوانه "مسيحيو الجنوب صامدون بين النارين".
وبعد وفاة الأب الراعي، انتشر فيديو لأهالي القليعة يقول فيه أحد الكهنة من أبنائها: "ما حدا منّا رح يتحرّك من القليعة باقيين هون كل واحد فينا روحو هون"، فيما تطالب سيّدة الجيش اللبناني بحمايتهم وعدم التخلّي عنهم، مؤكدة صمود الأهالي في وجه الخطر.

الحرس الثوري الإيراني على المكشوف
من استهدافات في الفنادق، إلى جوازات سفر مزوّرة، وصولًا إلى رحلات مغادرة سريّة بالعشرات، هكذا دخل الحرس الثوري الإيراني دائرة الضوء في لبنان خلال الأيام القليلة الماضية.
فبعد استهداف "فندق كومفورت" في الحازمية وانتشار خبر مقتل إيراني في داخله، اشتعلت مواقع التواصل وصبّ المستخدمون المناهضون لـ "الحزب" جام غضبهم على صاحبة الفندق وزوجها، معتبرين أنهما ضحّيا بأمن المنطقة مقابل حفنة من المال.
ورغم صدور بيان من وكيل الفندق يؤكد فيه أن الشخص الذي قُتل هو إحدى الموظفات، رفض ناشطون الرواية لسببَين رئيسيَّين. الأوّل وفق التعليقات: "إسرائيل ما بتضرب صاروخ مكلّفها مال على مطرح ما في منو فايدة"، وأيضًا: "إسرائيل لديها بنك أهداف محدّد". والثاني عبّر عنه أحدهم في تعليق آخر: "لو كان مواطن عادي كان "الصليب الأحمر" هوّي اللي سحبو وأعلن اسمو بعد نصف ساعة". علمًا أنّ كثيرين أكدوا وجود مركز لـ "الصليب الأحمر" بالقرب من الفندق.
أمّا بعد أيام، وحين استهدفت إسرائيل "فندق رامادا" في الروشة وتبيّن أن المستهدَفين الأربعة في غرفة داخله هم من القادة المسؤولين عن لبنان في "الحرس الثوري الإيراني"، فارتفع منسوب غضب الناشطين المناهضين لـ "الحزب"، لا سيّما بعد دخول مسعفين من "الهيئة الصحية" التابعة لـ "حزب اللّه" إلى الفندق لنقل الضحايا، رغم أن الجيش كان قد فرض طوقًا أمنيًّا أمام "فندق رامادا".
من جهة أخرى وفي سياق المقارنة مع النازحين كتب أحدهم: "الإيرانيون في فنادق خمس نجوم ع الروشة والشيعة اللبنانيون يفترشون طرقات الروشة".
وعند الكشف أن الدبلوماسيّين حجزوا عددًا من الغرف بجوازات سفر مزوّرة، ثارت حفيظة كثيرين، ليس فقط بسبب التضليل، بل لأن اللبنانيين، كما اعتبر عدد منهم، وقفوا طويلًا على لوائح الانتظار للحصول على جوازاتهم فيما حصل عناصر "الحرس الثوريّ" عليها بسهولة وبالتزوير، وبات الحديث يدور حول معرفة في عهد أيّ مدير عام للأمن العام حصل ذلك.
والأهمّ من كلّ ذلك، أطلق كثر أسئلة حول سبب تنقّل عناصر "الحرس الثوري الإيراني" في مناطق آمنة وخارج نطاق "حزب اللّه"، وما الهدف من هذه التحرّكات. وفي هذا الإطار، كتب الصحافي نوفل ضو على حساباته الرقمية تحليلًا جاء فيه: "تبيّن أن هدف إسرائيل من إفراغ الضاحية من السكان هو شلّ الحركة الشعبية التي يستفيد منها الضباط الإيرانيون الذي يقودون "حزب اللّه" لإخفاء تحركاتهم، فاضطرّوا لمغادرة غرف العمليات حيث شبكة الاتصالات السلكية "الآمنة" إلى الفنادق، ولاستخدام وسائل اتصال لاسلكيّة، فاصطادتهم بين الحازمية والروشة".

عدالة بـ "10 دولارات"؟
"قليل اللي عم يصير فينا. بلد هالقد في فساد بدو يحصد شو عم يزرع". عبارة اختصرت حجم إحباط اللبنانيين على مواقع التواصل، بعد أن تلقوا قرار "المحكمة العسكرية" الإفراج عن عناصر من "حزب اللّه" بكفالة مالية رمزية قُدّرت بنحو 20 دولارًا، قبل أن يتبيّن لاحقًا أن قيمتها الفعلية لا تتجاوز 10 دولارات. فيما اعتبر أحدهم أن المبلغ ليس سوى قيمة "طوابع".
وكانت "المحكمة العسكرية الدائمة" قد استجوبت ثلاثة أشخاص ينتمون إلى "الحزب" ضُبطت بحوزتهم أسلحة حربيّة خفيفة ومتوسطة، قبل أن تُصدر حكمًا بتغريم كلّ منهم مليونًا وتسعمئة ألف ليرة لبنانية بجرم حيازة ونقل أسلحة غير مرخّصة.
لكن قرار "المحكمة العسكرية" فجّر أيضًا موجة غضب واسعة على مواقع التواصل وأعاد إلى الواجهة النقاش حول دورها ومعايير العدالة فيها، في ظلّ مقارنة طرحها ناشطون بين سرعة إطلاق سراح هؤلاء وبين وجود موقوفين يمضون سنوات طويلة خلف القضبان من دون محاكمة. وفي السياق كتب أحدهم: "كلّ التضامن اليوم مع الموقوفين ظلمًا من دون محاكمة منذ عشرات السنين ومع عائلاتهم".
من جهة أخرى، اعتبر أحد الناشطين أن ""المحكمة العسكرية" بقراراتها الأخيرة أثبتت أنها ملحقة لـ "الحزب" لا حصن للعدالة. مهزلة قضائية تُضاف إلى سجل انهيار الدولة"، مرفقًا تعليقه بوسم "#القضاء_مخطوف".
في المقابل، رأى بعض المعلّقين أن الإشكالية الأعمق تكمن في استمرار محاكمة مدنيين أمام محكمة أُنشئت أساسًا للنظر في قضايا العسكريين، معتبرين أن أيّ إصلاح جدّي يبدأ بإعادة النظر في صلاحيات "المحكمة العسكرية" ودورها.

رفات بعد 40 عامًا وضحايانا بلا دولة
ما إن سُرِّبت معلومات عن إنزال إسرائيلي في بعلبك مساء الجمعة، حتى أعلنت المنصّات الرقمية حالة التأهّب القصوى، وبدأت متابعة التطوّرات لحظة بلحظة، فيما تضاربت الروايات لساعات بين من يؤكّد حصول العملية ومن ينفيها، وبقيت الصورة ضبابية.
أوّل تعليق ظهر عند الساعة 23:30: "شو خبرية الإنزال بالنبي شيت؟". تدريجيًّا بدأت خيوط ما يجري بالتكشف. وسرعان ما انتشرت رواية تفيد بأن فرقة من "لواء المظليّين الإسرائيلي" تحاول الوصول إلى جبانة آل شكر في بلدة النبي شيت في البقاع بحثًا عن رفات الطيار الإسرائيلي رون آراد واستعادته.
وقبل أربعين عامًا، وقع آراد أسيرًا في جنوب لبنان بيد "حركة أمل" قبل أن ينتقل لاحقًا إلى عهدة "حزب اللّه"، حيث توفي في ظروف غامضة لتضيع بعدها آثار جثته.
في موازاة رواية الإنزال، أعاد كثيرون الربط بين ما يحدث وقيام "الموساد الإسرائيلي" قبل أشهر بخطف النقيب المتقاعد أحمد شكر، في محاولة للوصول إلى معلومات مرتبطة بالقضية.
لاحقًا بدأت تسريبات من ناشطي "الحزب" تتحدّث عن نجاح "الحزب" في صدّ القوات الإسرائيلية وأسر عدد منها، مع تداول شعارات على مثال: "البقاع مقبرة الغزاة".
لكن فجر السبت بدأت الوقائع تتضح. لا أسرى ولا قتلى في الجانب الإسرائيلي، فيما شهد الجانب اللبناني سقوط عدد كبير من الضحايا من المدنيين والجيش، إضافة إلى أضرار مادية جسيمة.
على أن الغضب اجتاح المنصّات مع مقارنات فضحت واقعًا: "دولة تبحث منذ أربعين عامًا عن رفات طيار مفقود، فيما الدولة اللبنانية لا تزال عاجزة عن إنصاف آلاف الضحايا الذين قضوا في انفجار المرفأ، وغيرها من الاغتيالات السياسية، ومصير آلاف المخطوفين في سجون الأسد مجهول".
ولم يخلُ السجال من التهكم أيضًا، إذ ركّز كثيرون على الوقت الطويل الذي أمضته القوة الإسرائيلية في المدافن، وكتب أحدهم: "يبدو إنو العدوّ كان معو وقت يبحش القبر ولمّا كانو فالّين انكشفو فاضطرّو يطلبو الهيليكوبترز".
في المقابل، سرعان ما تصاعد الغضب أكثر مع تداول معلومات تشير إلى أن بعض رفات اللبنانيين انتقل إلى إسرائيل، بعد أن كشفت إسرائيل أنها لم تجد رفات آراد، ما فجّر موجة جديدة من السخط على مواقع التواصل.
كما برز تعليق للصحافي مروان متني كتب فيه: "بعد خطف إسرائيل الضابط المتقاعد شكر قبل أشهر، من الطبيعي أن يعمد "الحزب" إلى تبديل مكان الرفات".
