تعود قصة السماح للإيرانيين بدخول لبنان من دون تأشيرة دخول إلى آب عام 2010، حين عاد وزير الخارجية اللبناني آنذاك علي الشامي من زيارة إلى طهران حاملاً اقتراحاً يقضي بإلغاء تأشيرة الدخول بين البلدين. وقد أحال مشروعاً بهذا الخصوص إلى مجلس الوزراء، إلا أن المجلس لم يبتّ في الاقتراح في حينه، وبقي معلّقاً في الأدراج.
بعد أشهر قليلة، وتحديداً في 12 كانون الثاني 2011، أسقطت قوى 8 آذار حكومة رئيس الوزراء سعد الحريري. يومها علّق العماد ميشال عون على سفر الحريري إلى الخارج بالقول إنّه كان عليه أن يحمل معه “One Way Ticket”، في إشارة إلى أن عودته إلى رئاسة الحكومة لم تعد مطروحة.
وفي حزيران 2011 شكّلت قوى 8 آذار حكومة جديدة برئاسة نجيب ميقاتي. وبعد أقل من ثلاثة أشهر، وتحديداً في 7 أيلول 2011، اتخذت الحكومة القرار رقم 119 الذي قضى بالسماح للإيرانيين بدخول لبنان من دون تأشيرة مسبقة. وقد أثار القرار يومها اعتراضاً أميركياً واضحاً، إذ عبّرت وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك هيلاري كلينتون عن قلق واشنطن من هذه الخطوة خلال لقائها رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، داعيةً إلى إعادة النظر في القرار لما قد يحمله من تداعيات أمنية محتملة.
بعد أكثر من عقد على ذلك القرار، تعود الأسئلة ذاتها لتُطرح اليوم في ضوء التطورات الأمنية الأخيرة. فحتى الآن لا تزال المعلومات شحيحة حول الغارات التي استهدفت فندقين في الحازمية والروشة، فيما لم يُعلن رسمياً عن جنسية وأسماء الضحايا الذين سقطوا في تلك الضربات الإسرائيلية. وهذا الغموض يثير كثيراً من التساؤلات، خصوصاً أن استهداف فنادق في قلب العاصمة وضواحيها لا يمكن أن يكون عملاً عشوائياً أو ضربة بلا أهداف محددة.
المعطيات الصحافية المتداولة تشير إلى أن العمليات الإسرائيلية كانت دقيقة ومحددة، واستهدفت شخصيات إيرانية يُعتقد أنها تشكّل حلقة الوصل بين الحرس الثوري الإيراني وحزب الله. وتشير هذه المعلومات إلى أن وجود تلك الشخصيات في لبنان لم يكن عرضياً، بل جاء في إطار تنسيق ميداني مرتبط بالمواجهة الدائرة حالياً في المنطقة.
وتكتسب هذه التطورات دلالة إضافية في ضوء معلومات أفادت بأن الطائرة الروسية التي تولّت مؤخراً إجلاء عدد من أفراد الجالية الإيرانية من لبنان حملت معها أيضاً رفات إيرانيين سقطوا خلال المواجهات. وهو ما يعزّز الانطباع بأن لبنان بات جزءاً مباشراً من ساحة الاشتباك الإقليمي، وأن ما يجري على أرضه ليس سوى فصل من صراع أوسع بين إسرائيل وإيران.
في هذا السياق، تشير تسريبات وتحليلات أمنية إلى أن الاستراتيجية الإسرائيلية في هذه المرحلة تقوم على استهداف القيادات المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، بهدف منع إطلاق الصواريخ الدقيقة والمتوسطة المدى باتجاه إسرائيل من جهة، ومحاولة قطع ما يُعرف بـ«حبل السرّة» الذي يربط حزب الله بطهران من جهة أخرى، سواء على مستوى التمويل أو التدريب أو التخطيط العسكري.
فالحزب، منذ تأسيسه في ثمانينيات القرن الماضي، لم يُخفِ ارتباطه العضوي بإيران. بل إن قادته أقرّوا بهذا الارتباط في أكثر من مناسبة، مؤكدين أن الدعم الإيراني يشمل التمويل والتسليح والتدريب، ما جعل الحزب جزءاً من منظومة النفوذ الإيراني في المنطقة.
وفي موازاة ذلك، تتحدث بعض التحليلات الدولية عن احتمال اقتراب نهاية مرحلة المواجهة المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، مع توقعات بأن تبادر طهران إلى القبول بوقف لإطلاق النار وفق شروط تفرضها واشنطن. وإذا صحّت هذه التقديرات، فإن المنطقة قد تكون مقبلة على مرحلة جديدة من إعادة رسم خرائط النفوذ، حيث تسعى القوى الدولية والإقليمية إلى تثبيت توازنات مختلفة بعد مرحلة من التصعيد الخطير.
غير أن السؤال المطروح في لبنان لا يتعلق فقط بمصير المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، بل بمصير الساحة اللبنانية نفسها. فحتى لو توقفت الحرب الإقليمية، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن المواجهة على الأرض اللبنانية قد لا تتوقف، خصوصاً في ظل قناعة متنامية داخل القيادة الإسرائيلية بأن إنهاء دور حزب الله أصبح هدفاً استراتيجياً لا يمكن التراجع عنه.
وفي ظل هذا الواقع، يجد لبنان نفسه مرة أخرى ساحةً لتصفية الحسابات الإقليمية، فيما يبقى اللبنانيون الحلقة الأضعف في معادلة الصراعات الكبرى. فكلما اشتد النزاع بين القوى الإقليمية والدولية، عاد لبنان ليقف في قلب العاصفة، يدفع أثمان خيارات لم تكن يوماً جزءاً من قرار حكومته ولا من إرادة شعبه.
من هنا، فإن السؤال الحقيقي لا يقتصر على: ماذا بعد استهداف الفنادق؟
بل يتجاوز ذلك إلى أسئلة أكثر عمقاً وخطورة:
إلى متى سيبقى لبنان أرضاً سائبة يدخلها غرباء ليتصارعوا مع غرباء؟
إلى متى ستستمر الأجهزة الأمنية في التعامل بـ«زيت وسمنة» مع هؤلاء الغرباء؟
إلى متى ستبقى العقيدة العسكرية التي رسّخها إميل لحود في مطلع التسعينيات تطبع قرارات المؤسسة العسكرية وتوجّهها؟
إلى متى ستستمر أجهزة الدولة في اعتبار حزب الله وأجهزته فوق القانون وفوق الدولة، وكأن المثل اللبناني ينطبق عليه: «أولاد فرفور ذنبهم مغفور»؟
وأخيراً: إلى متى سيبقى لبنان ساحة مفتوحة لحروب الآخرين؟
ومتى يستعيد قراره السيادي، ليخرج نهائياً من دائرة الصراعات الإقليمية ويعود دولةً سيدة على أرضها وقرارها؟