جوزيف بوهيا

محمود قماطي… ناطق باسم الخراب

4 دقائق للقراءة

تصريح محمود قماطي ليس دفاعًا عن لبنان، بل محاولة دجل سياسي مكشوفة لتسويق الخراب كأنه إنجاز، ولمنح حزب الله حقًا لا يملكه: حق تقرير مصير لبنان، ثم فرض تفسير هذا المصير على اللبنانيين.

حين يتحدث عن "معادلة دفاعية جديدة"، فهو لا يصف دفاعًا، بل يعلن بوضوح أن الحزب ما زال يرى نفسه فوق الدولة، يقرر وحده متى تُفتح الجبهة ومتى يُزجّ البلد في النار، ثم يطلب من اللبنانيين أن يسمّوا الكارثة "ردعًا". لكن الأوطان لا تُحمى بهذه الطريقة، والدول لا تستفيد من الحروب التي تُفرض عليها. الدولة تستفيد من السلم، من الاستقرار، من عودة الاستثمار، من إعادة بناء الثقة، لا من خرابٍ يكدّس الخسائر ويستهلك ما تبقى من البلد.

وهنا تسقط أخطر أكاذيبه: حديثه عن "فرصة ذهبية" للدولة.

أي فرصة هذه؟

الدولة لا تستفيد من التهجير، ولا من تدمير القرى، ولا من شلل الاقتصاد، ولا من هروب الأموال، ولا من صورة بلد تحكمه قوة مسلحة خارج مؤسساته. حزب الله لم يمنح الدولة يومًا فرصة؛ بل كلّفها، وكلّف اللبنانيين، مليارات الخسائر غير الضرورية، فوق ما رتّبه سلاحه خلال السنوات الماضية من عزلٍ للبنان، وضربٍ لثقة المستثمرين، وتشويهٍ لصورة الدولة، وربطٍ دائم لمستقبل البلد بمغامرات لا تخدم إلا مشروعه. واليوم، فوق كل ما سبّبه من خراب، يعيد حزب الله جرّ الاحتلال الإسرائيلي إلى جنوب لبنان.

أما حديثه عن النازحين، فهو من أكثر وجوه هذا الخطاب انحطاطًا. لأنه لا يكتفي بفرض المأساة، بل يحاول بعد ذلك أن يتكلم بلسان ضحاياها. ومن الوقاحة أن يقارن بين نزوح اللبنانيين ونزوح الإسرائيليين كأن الطرفين يعيشان الكلفة نفسها. الإسرائيلي، تحت الخطر، يدخل إلى ملاجئ ودولة تحميه وتؤمن له الحد الأدنى من الصمود. أما اللبناني، فكثيرًا ما يفترش الطرقات أو يتكدس في مدارس ومراكز إيواء بائسة، بسبب "توازنات" وهمية لا تنتج حماية بل انكشافًا. هذه ليست معادلة ردع، بل معادلة إذلال: حزب يفتح الجبهة باسم الناس، ثم يتركهم في العراء، ثم يساوي بين من تحميه دولته ومن تخلّى هو عنه.

وعندما يلمّح إلى ثلاثية "الجيش والشعب والمقاومة" عبر النبي شيت، فهو لا يستحضر بطولة، بل يستحضر الصيغة نفسها التي دمّرت لبنان كله. هذه المعادلة لم تُنتج حماية، بل أنتجت موتًا ودمارًا وتآكلًا للدولة. وما يقدّمه قماطي على أنه "صورة رائعة" ليس إلا نسخة مصغّرة عن الكارثة الوطنية الكبرى: كلما قيل إن السلاح خارج الدولة يعمل "بالتكامل" مع الدولة، كانت النتيجة دائمًا إضعاف الدولة نفسها، وتوسيع هامش القرار المنفرد، ودفع اللبنانيين ثمنًا لا قرار لهم فيه.

أما عبارته "لا أمن في لبنان يعني لا أمن في إسرائيل"، فهي ليست معادلة دفاع، بل اعتراف صريح بأن لبنان، في عقل الحزب، ليس وطنًا يجب أن يُحمى، بل ساحة يجب أن تبقى معلقة على حافة الانفجار. أي أن الحزب لا يعد اللبنانيين بالأمن، بل بإدامة انعدام الأمن. لا يعرض عليهم حماية، بل وظيفة دائمة: أن يبقوا ورقة ضغط في خدمة مشروع أكبر من لبنان.

وفي ملف "القرض الحسن" أيضًا، يتكرر الاحتيال نفسه: ليس المطلوب طمأنة الناس، بل تطبيع وجود بنية موازية للحزب داخل الدولة، وكأن من الطبيعي أن تستبدل مؤسسات لبنان بشبكات حزبية مرتبطة بسلاحه ونفوذه. هكذا يعمل المشروع كله: كلما ضعفت الدولة، تقدّم الحزب؛ وكلما تراجعت المؤسسات، عرض نفسه بديلًا؛ ثم طلب من اللبنانيين أن يسمّوا هذا الارتهان "صمودًا".

الحقيقة التي يحاول قماطي طمسها بسيطة: حزب الله لا يدافع عن لبنان، بل يواصل المتاجرة ببيئته وباللبنانيين جميعًا، ويحاول تعويم خسائره على رؤوس الموتى والنازحين والمشرّدين خدمة لوليه الإيراني. ومسؤولو الحزب، مهما ارتدوا لغة "الواقعية" و"العملانية"، يبقون بعيدين كل البعد عن الوطنية. لأن الوطنية لا تكون بربط لبنان بمصلحة الخارج، ولا بتحويل الناس إلى وقود، ولا بجرّ الدولة إلى حرب ثم مطالبتها بأن تشكر من دمّرها. وعندما يصبح موت اللبنانيين ونزوحهم وخراب بلدهم مادة لإعادة إنتاج نفوذ الحزب، فإن المسألة لا تعود مجرد خطأ سياسي، بل تلامس حدود الخيانة الوطنية.

لهذا، لا يحتاج كلام محمود قماطي إلى تفنيد طويل بقدر ما يحتاج إلى تسمية دقيقة: إنه ناطق باسم الخراب، ومسوّق محترف للوهم، وشاهد إضافي على أن حزب الله لا يزال يريد من اللبنانيين أن يموتوا، ثم يُطلب منهم أن يصفقوا لمن باعهم الوهم بأن موتهم كان "معادلة".