لا فاصل في «حزب اللّه» بين لبناني وإيراني بالنسبة إلى المشاركة في الإدارة العسكرية والأمنية والسياسية للمواجهة مع إسرائيل وتوسيع إطار «الممانعة» لمواقف عربية ودولية. ولا مفاجأة في وجود ضباط إيرانيين من «فيلق القدس» التابع للحرس الثوري إلّا لمن ينسون كيف ولد «الحزب» في بعلبك على يد السفير الإيراني في دمشق الشيخ أختري، ومن درّبه وسلّحه وموّله للقيام بدور يتجاوز مقاومة الاحتلال إلى التأثير في لبنان والمنطقة. والمقدّمات تقود إلى النهايات. ففي حرب عام 2006 كان قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني إلى جانب الأمين العام السيد حسن نصراللّه. وحين اغتالت حكومة نتنياهو الأمين العام التاريخي كان برفقته جنرال إيراني. حتى في حركة «أمل» في الأيام الأولى للمقاومة. فإن المسؤول الأمني كان مصطفى شمران الذي تولّى لاحقًا وزارة الدفاع في طهران. وكل أمين عام يتمّ تعيينه «وكيلًا شرعيًا» للولي الفقيه. وهذا ما سيفعله المرشد الجديد مجتبى خامنئي.وما عاد بالإمكان، منذ «حرب الإسناد» لغزة وما جرّته من كوارث، تسويق خطاب الدفاع عن لبنان ومقاومة الاحتلال الذي تسببت فيه الحرب بعد تحرير الجنوب في العام 2000. فالامتناع عن مواجهة الاحتلال والاعتداءات اليومية على البنية التحتية واغتيال نحو 500 من كوادر «الحزب» بعد الاتفاق على وقف الأعمال العدائية في 27 تشرين الثاني 2024، كان، مع دوافعه الذاتية، مطلوبًا من إيران التي لم ترد تعريض «الحزب» وسلاحه للتدمير الكامل في معركة تسبق حربها وخسارة دوره فيها. وإطلاق الصواريخ فجر الثاني من آذار على إسرائيل جاء بمشاركة طهران في مواجهة الحرب الأميركية والإسرائيلية وانتقامًا لاغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي. والتوقيت، بعد 16 شهرًا من اللاردّ، ناطق.وهذه ليست مقاومة قادرة على إزالة الاحتلال ولا على حماية بيئتها الخاصة قبل الحديث عن لبنان. فما قامت به أدّى إلى توسّع الاحتلال وتهجير أهل الجنوب والضاحية والبقاع بشكل جماعيّ لا سابق له هنا، على طريقة ما فعله الجيش الإسرائيلي في غزة. والذين دعاهم الأمين العام الشيخ نعيم قاسم من مخبئه إلى «الصمود» هم الآن يفترشون الأرصفة والساحات ويبحثون عن مراكز إيواء ولا يعرفون إن كانوا سيعودون إلى قراهم حين تنتهي الحرب. وكلّ ما يسمعونه مع بقية اللبنانيين هو خطاب متهالك من قادة مقاومة مرشحة لأن تصبح هالكة.وقمّة المساخر، بعد قرار مجلس الوزراء حظر النشاطات العسكرية والأمنية لـ «الحزب» واعتبارها «خارجة على القانون»، الردّ على القرار بأن الدولة هي التي صارت «خارجة على القانون وفاقدة للشرعية». وبدل أن يعمل «الحزب» سياسيًا تحت سقف الدولة، يراد للدولة أن تعمل تحت سقف الميليشيا. ميليشيا أيديولوجية مذهبية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني ضد أكثرية اللبنانيين وفي عزلة عربية ودولية، وتبدو خارج حقيقة لبنان المكوّن من 18 طائفة. وكلّ الذين سخروا من ضعف الدولة وتمسّكها بالخيار السياسي والدبلوماسي والشرعية الدولية يعرفون، وإن لم يعترفوا، أن لبنان حمى أرضه وشعبه وتمتع بالازدهار والحرية في الأربعينات والخمسينات والستينات. وهو لم يتعرّض للاحتلال إلّا بعد «اتفاق القاهرة» واندفاع المنظمات الفلسطينية بحجة تحرير فلسطين والهيمنة السورية والهيمنة الإيرانية عبر «حزب اللّه».وإذا كانت بداية المواجهة على يد «المقاومة الإسلامية» هي تهجير مجتمع بكامله، فكيف ستكون النهاية إن لم تكن أخطر وأسوأ؟ ومن المستفيد من دفع لبنان لأن يبدو كأنه «لبنانان» واحد يمارس الانتحار السياسي في حرب خاسرة مع العدو دفاعًا عن إيران، وآخر يقرّر بجرأة للحفاظ على الناس لكن ظروف التنفيذ صعبة ومعقدة، وتفعيل الدبلوماسية مع العواصم المؤثرة يصطدم بالعجز الداخلي؟المؤرّخ الكبير أرنولد توينبي رأى أن «الحكم الانتحاري من أسباب انهيار الإمبراطوريات». فكيف الأمر في القتال الانتحاري لـ «حزب» يضع البلد والشعب رهينة؟ وما العمل أمام العجز عن وقف عملية الانتحار؟