تدفع الحروب عادة إلى اتخاذ العديد من الإجراءات الاستثنائية، لكنها لا تبرّر محاولة اغتيال الديمقراطية. صحيح أنّ لبنان يعيش ظروفاً أمنية حساسة، وصحيح أنّ المنطقة بأكملها تمرّ بمرحلة غير مسبوقة من الدمار وارتدادات الحرب الدائرة، لكن تحويل هذه اللحظة الاستثنائية إلى ذريعة لتمديد ولاية مجلس النواب لعامين كاملين ليس إجراءً تقنياً ولا ضرورة وطنية، بل سابقة خطيرة تضرب جوهر النظام الديمقراطي لمصلحة فصيل "خارج عن القانون" ورئيس مجلس نيابي قلق من تغير وجه البرلمان الذي جعله رئيسا له كما بعض المنتفعين القلقين من محاسبة الشعب لهم بسبب إخفاقاتهم منذ الانتخابات الأخيرة في العام 2022 لحينه، مع كل ما مرت به البلاد منذ ذاك التاريخ والحروب التي ورط بها حزب الله لبنان وشرد بيئته مرتين خلالها.
من تأجيل تقني "قانوني".. إلى تمديد "لا دستوري"
يمتلك البرلمان صلاحية سنّ القوانين وإصدار التشريعات، لكن بمجرد تقديم عشرة نواب مراجعة طعن أمام المجلس الدستوري، يتاح لهذا المجلس النظر بكامل القانون الصادر المتضمن التمديد للبرلمان لسنتين إضافيتين. ومن المرتقب أن يتأمن الشرط الشكلي بعد طعن نواب القوات اللبنانية ونواب سياديون بينهم النائب فؤاد مخزومي بالتمديد أمام المجلس الدستوري.
بالموازاة، يؤكد خبراء في الدستور وبينهم الدكتور رئيف خوري – أستاذ محاضر بالقانون الدستوري ـ في حديث لـ "نداء الوطن" أن "الدستور لم يحدد مدة ولاية مجلس النواب في أحكام صريحة نصت عليه مواده، بل ترك تحديد مدة الولاية للقانون". وبحسب خوري، فإنّ "الحياة الدستورية لا تتألف فقط من أحكام مواد الدستور ومقدمته بل مما يسمى في الفقه الدستوري بـ "الكتلة الدستورية" التي تتألف من الدستور ونصوصه، يضاف إليها المبادئ العامة الدستورية كما أيضا العرف الدستوري ومبادئ حقوق الإنسان. ووفق المبادئ الدستورية العامة يقتضي احترام مبدأ دورية الانتخابات الذي هو أحد أركان الديمقراطية، كما أن العرف الدستوري الثابت منذ البدء بتنظيم وإجراء الانتخاب في لبنان قد حدد مدة كل ولاية لمجلس النواب بـ 4 سنوات".
ويضيف خوري أنه " في المبادئ العامة القانونية لا يسع الوكيل أن يتجاوز مضمون الوكالة التي منحه إياها الموكل أي الشعب اللبناني خاصة أنّ القوانين تصدر باسم هذا الشعب وبناء على رغبته وبموجب الوكالة التي منحها لكل نائب، فيُمنع على النواب مصادرة إرادة الشعب والناخبين وإقرار التمديد لنفسهم مدة نصف ولاية".
ويختم خوري، أنّ "التشريع قد يتأثر بالتوازنات السياسية لكن لا يسعه مخالفة الدستور ولا المبادئ العامة الدستورية، ولا الأعراف الدستورية الثابتة" رافضا تقديم السياسة على الدستور.
النائب في البرلمان اللبناني فؤاد مخزومي الذي صوّت ضد التمديد "عامين" للمجلس، يؤكد رفضه في حديث لـ "نداء الوطن" لمجريات جلسة التمديد مؤكدا أن "إرادة الشعب قد تتغير مع انتهاء مدة الوكالة، فلا يحق للنواب تخطي إرادة الناخبين أو القفز فوقها أو تفسيرها بخلاف ما ينص عليه الدستور أو المبادئ الدستورية العامة".
يصف النائب مخزومي ما جرى بـ "غير المقبول" متابعاً أنه "يدرك تماماً الظروف الاستثنائية التي يمر بها لبنان في ظل الحرب وتهجير اللبنانيين من الجنوب والضاحية، كما التعقيدات المرتبطة بتطبيق القانون الانتخابي الحالي، لكن الحل ليس بتمديد طويل يضرب مبدأ تداول السلطة" وفق مخزومي الذي طالب بـ "تأجيل تقني محدود لا يتجاوز ستة أشهر ريثما تنتهي الحرب ويتم تعديل القانون بما يسمح للمغتربين بالتصويت للـ128 نائباً وإنشاء الـMegacenters".
من جانبه، شدد النائب عن تكتل "الجمهورية القوية" غياث يزبك أنّ حزب القوات اللبنانية يرفض رفضا قاطعا هذا التمديد الـ "لا دستوري" وترجم رفضه بالطعن أمام المجلس الدستوري ويؤكد في حديث لـ "نداء الوطن" على "أهمية تجديد السلطة وبأنّ رفض التمديد ينطلق من حرص حزب القوات على حماية الديمقراطية في نظام برلماني لا يكتسب شرعيته إلا من التفويض الشعبي". يتابع يزبك أنه "من الضروري احترام الاستحقاقات الدستورية ومواعيدها بعكس ما كان يحدث أيام النظام السوري في لبنان وبعدها مع الثنائي حزب الله وأمل اللذين جعلا الدستور وجهة نظر يتحكمان فيها وفق مصلحتهما عبر ميليشيا ودويلة تقوّضان الدولة بالقوة".
لماذا أصرّ الثنائي حزب الله وأمل على هذا التمديد؟
على وقع الحرب والتشريد والنزوح والدمار منذ 2023 وحتى تاريخه، تشعر البيئة الشيعية بثقل حروب فتحها حزب الله على حسابها بأوامر من طهران ولمصلحة إيرانية بحتة.
يؤكد الكاتب السياسي مروان الأمين لـ "نداء الوطن" أنّ هناك "غضباً شعبياً في بيئة حزب الله نتيجة فتحه هذه الحرب دفاعا عن إيران وانتقاما لخامنئي، ما كان لينعكس سلبا على صندوقة الاقتراع". لا يخفي الأمين أنّ "النتيجة الانتخابية لم تكن لتتغيّر بأعداد نواب حزب الله لكنّ المؤكد أنّ نسبة الاقتراع كانت لتكون ضئيلة، لتكون المقاطعة عنواناً للمعارضة لسياسات الحزب داخل بيئته". ويضيف أنّ "ناخبي الحزب سيحجمون عن المشاركة في عملية الاقتراع لأن تبعات الحرب السابقة في ما يتعلق بإعادة الاعمار ووجود قرى تحت الاحتلال ومئات الآلاف في الشوارع اليوم له ثقله الكبير على المجتمع الشيعي وعلى رأيه الانتخابي السلبي تجاه الحزب اليوم".
يزبك يرى من جهته أنّ "من هجّر شعبه ووضعه أمام فوّهات المدافع الإسرائيلية لا يهمه نسبة التصويت ولم يكترث للغطاء الشعبي". لكنّ النائب يزبك يذهب أبعد من ذلك باتجاه حلفاء الحزب ويؤكد أنّ "مصلحة حزب الله في تمديد المجلس الحالي لعامين مرتبط بالتمديد لنواب من خارج الطائفة الشيعية يدينون بالولاء له أو متحالفين معه ويغطّون قراراته، وفي أي انتخابات مقبلة لن تنجح هذه الأسماء خصوصا مع تراجع شعبية التيار الوطني الحر على سبيل المثال لا الحصر". ويتابع النائب يزبك أنّ "أي انتخابات مقبلة ستنزع الميثاقية الاصطناعية والواهية التي بنى عليها حزب الله غطاءه السياسي لسنوات".
دعوات لإسقاط دويلة حزب الله
لا يخفى على أحد تمسك رئيس البرلمان نبيه بري بالتمديد للبرلمان لعامين. يبحث عن بلوغ عامه التسعين رئيساً لمجلس النواب فيما أي تغيير في خريطة المجلس الانتخابية قد تعرقل إعادة انتخابه. ففي عام 2022 انُتخب بري رئيساً للمجلس مجددا، وقد تخطى وجوده في هذا المنصب ثلاثة عقود ويومها حصل على 65 صوتاً في إعادة انتخابه، أما اليوم وفي أي انتخابات مقبلة، لا "التغييريين" ولا الحلفاء لهم الوزن نفسه انتخابيا والأكثرية في طريقها إلى تغيير جذري، وبحسب يزبك "لن يتمكن من أن يبقى رئيساً للمجلس بعد أي انتخابات مقبلة".
من جانبه، يرى النائب مخزومي أنّ "دويلة حزب الله المتغلغلة في الدولة العميقة وما استتبع ذلك من قرار هزلي من المحكمة العسكرية بالإفراج عن عناصر لحزب الله مقابل 10 دولارات لحملهم أسلحة غير شرعية، هو استمرار لنفس النهج الذي حصل في مجلس النواب بالتمديد لا دستوريا للمجلس لعامين". يؤكد النائب مخزومي أنّ "دويلة حزب الله لا تزال فاعلة سياسياً وقضائياً داعياً لحجب الحزب بكل أجنحته وتطبيق القرار فوراً". فقد أثبت هذا الحزب أنه "مدمّر للبنان وعدو لقيام دولته ولاحترام دستوره ولنزاهة قضائه بسلاح يعيق قيام الدولة وتحقيق العدالة".
حلفاء الحزب و"التغييريون".. بوجه الديمقراطية
بالنظر إلى الأفرقاء الذي صوتوا للتمديد لعامين أو تحفظوا على التصويت وحتى بعض من صوّتوا ضد التمديد لتسجيل موقف "شعبوي" يتعاملون مع الدستور والدولة ومؤسساتها بالقطعة. وفي هذا السياق، لا يمكن فصل ما يجري عن واقع أنّ حزب الله يتعامل أساساً مع النظام اللبناني بوصفه مساحة إدارة نفوذ لا إطاراً ديمقراطياً كاملاً. وحين تتقاطع هذه المقاربة مع مصالح منتفعين داخل السلطة، يصبح تمديد مجلس النواب محاولة إضافية لتكريس ميزان قوى مختل بدل العودة إلى الشعب.
ولهذا تحديداً يصبح الدفاع عن الانتخابات اليوم دفاعاً عن فكرة الدولة نفسها. فموقف الحزب مفهوم لكنه غير مبرّر طبعا، وموقف برّي مفهوم أيضاً، أما بعض المستقلين وبعض النواب السنة وبعض التغييريين ممن صوتوا للتمديد للمجلس فهو لعلهم بأنّهم فشلوا في الدورة الانتخابية الأخيرة وباتوا على يقين بأنهم خارج أي منافسة انتخابية جدية في أي انتخابات مقبلة.
يقسّم النائب يزبك التغييريين إلى ثلاثة: 1- رمادي وهؤلاء ممن تحفظوا يعارضون الحزب في العلن ويطبقون سياسته ضمنياً. 2- هناك من صوّت ضد التمديد وبعضهم يسجل موقفاً شعبوياً تماماً كتصويت التيار الوطني الحر لعلمه المسبق بأّن التصويت بكل الأحوال يتجه صوب التمديد لعامين. 3- وهناك فئة ثالثة تتماهى مع رئيس الحكومة نواف سلام الذي يريد التمديد سنتين ليمدد لحكومته عامين إضافيين.
من جهته، يرى الكاتب السياسي مروان الأمين أنّ من صوّت من التغييريين ضد التمديد فهي من باب "المزايدة خاصة داخل الشارع المسيحي، بمعنى أنهم ضد التمديد ولكن غالبيتهم راضون عنه لأن وضعهم مهدد في حال حصلت الانتخابات، حيث أنّ أداءهم السياسي لم يكن على مستوى تطلعات ناخبيهم".
بالخلاصة، فإنّ هذا التمديد هو خدمة لحزب الله وأمل ونبيه بري شخصيا. كما أنه يخدم توازنا سياسيا قديما قبل أن يتغير ميزان القوى بعد حرب الإسناد وهزيمة حزب الله. يتقاطع ذلك مع نواب لم يقدموا على اتخاذ أي موقف متقدم، بل استكانوا مقابل قرار حزب الله بمصادرة قرار الدولة.
بالتالي فإنّ الحديث عن تمديد الانتخابات لعامين يتجاوز كونه إجراءً سياسياً عابراً؛ بل انعكاس مباشر لواقع تُفرض فيه موازين القوى على الدولة ومؤسساتها. ففي ظل النفوذ الذي لا يزال حزب الله يمارسه داخل الحياة السياسية، يجد بعض النواب والقوى المنتفعة في التمديد فرصة للحفاظ على مواقعهم ومصالحهم، حتى ولو كان الثمن تعطيل التداول الطبيعي للسلطة أو قطع الطريق على هذا الحزب الذي دمّر لبنان. وهكذا يتحول البرلمان من مساحة تمثيل لإرادة الشعب إلى ساحة تُدار وفق حسابات القوة والانتفاع. وفي هذا المشهد، يصبح الدستور مجرد نص قابل للتعطيل، بينما الدولة نفسها تتحول إلى ضحية لصراع النفوذ. والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: إلى متى ستبقى المؤسسات رهينة هذه المعادلة، وإلى متى سيُطلب من اللبنانيين القبول بتأجيل حقهم الطبيعي في اختيار ممثليهم في سياق لا يختلف عن سياقات التعطيل النيابي والرئاسي والحكومي في عهد الاحتلال الإيراني للبنان عبر حزب الله؟