ريتا عازار

الحرب في عيون الفنانين الغربيين

لوحات خلّدت صرخات الضحايا وأحلام الحرية

5 دقائق للقراءة

لطالما كان الفن مرآةً حسّاسة للتاريخ، قادرة على التقاط عنف الصراعات البشرية وتعقيداتها، كما على ترجمة آلامها وآمالها إلى صورٍ خالدة. فمِن الحروب النابليونية إلى صدمات القرن العشرين، استطاعت بعض الأعمال الفنية تجاوز زمنها لتصبح رموزًا عالمية للمقاومة أو البطولة، بل وأحيانًا أدوات للدعاية السياسية. وبين الواقعية القاسية والبطولة المثالية والتعبير عن المثل الجماعية، قدّم الفنانون رؤى متعدّدة للحروب التي شكّلت مسار العالم.

تناول الرسّام الإسباني فرانسيسكو دي غويا موضوع الحرب بجرأة غير مألوفة في زمنه. ففي لوحته "الثالث من أيار 1808" (1814)، يصوّر لحظة إعدام المدنيّين الإسبان على يد القوات النابليونية في مدريد عقب انتفاضة شعبية ضد الاحتلال الفرنسي.

تحت ضوء فانوس خافت، يقف رجل بقميص أبيض وذراعَين مرفوعتَين في مواجهة بنادق الجنود المصطفين. تبدو وضعيّته أقرب إلى صورة الشهيد أو الضحية المقدّسة، بينما تبرز الإضاءة القاسية مأساة الفعل ولا إنسانيته.

خالف غويا تقاليد عصره التي اعتادت تمجيد المعارك والبطولات العسكرية، واختار بدلًا من ذلك تصوير الحرب في أكثر صُوَرها قسوةً وعبثية. وبذلك فتح الطريق أمام رؤية فنية حديثة ترى في الفن وسيلةً ليس فقط لتوثيق التاريخ، بل أيضًا لإيقاظ الضمير الإنساني في مواجهة الفظائع.


"الحرية تقود الشعب"

على النقيض من الأعمال التي تندّد بالحرب، احتفى بعض الفنانين بلحظات النضال من أجل الحرية. وتُعدّ لوحة "الحريّة تقود الشعب" (1830) للرسام الفرنسي أوجين دو لاكروا من أبرز الأمثلة على هذا التوجّه. 

يجسّد العمل أحداث "الأيام الثلاثة المجيدة"، وهي الانتفاضة التي أطاحت بمَلَكية شارل العاشر في فرنسا. في قلب اللوحة تقف امرأة رمزية تمثل الحريّة، ترفع العلم الفرنسي الثلاثي الألوان وتقود الثوّار عبر المتاريس. يحيط بها رجال من طبقات اجتماعية مختلفة، بل وحتى طفل يحمل مسدّسَين، في إشارة إلى الطابع الشعبي للثورة. سرعان ما تحوّل هذا العمل إلى أيقونة وطنية. فقد أصبحت شخصية "الحريّة" تجسيدًا بصريًا لـ "ماريان"، رمز الجمهورية الفرنسية. وفي هذه اللوحة ينجح دو لاكروا في اختزال روح الثورة وإرادة التحرُّر في صورة واحدة نابضة بالحركة والعاطفة.


صناعة الأسطورة

لا يقتصر الفن الحربي على إدانة العنف؛ إذ يمكنه أيضًا أن يصوغ الأساطير الوطنية ويكرّس صورة القائد البطل. ومن أبرز الأمثلة على ذلك لوحة "عبور واشنطن لنهر ديلاوير" (1851) للرسام الألماني الأميركي إيمانويل لوتز.

يُصوِّر العمل لحظة عبور جورج واشنطن وقواته، النهر المتجمّد، عشية "معركة ترينتون" عام 1776. ورغم أن اللوحة رُسمت بعد الحدث بسنوات طويلة، لكنها نجحت في ترسيخ صورة بطوليّة للقائد الأميركي، محوِّلةً واقعة عسكرية إلى رمز للأمل والعزيمة في الذاكرة الوطنية الأميركية.

في المقابل، أدّى الفن دورًا دعائيًا مباشرًا في لوحة "عبور بونابرت لجبال الألب" (1801) للرسام الفرنسي جاك لويس دافيد. إذ يظهر نابليون في اللوحة ممتطيًا جوادًا جامحًا، يشق طريقه عبر الجبال في مشهد بطوليّ مهيب. غير أن الواقع التاريخيّ يخبرنا أنه عبر تلك الممرّات على ظهر بغل لا على صهوة حصان. تكشف هذه المفارقة كيف يمكن للفن أن يُعيد تشكيل الواقع ليخدم صورة القائد ويعزز شرعيّته السياسية.


بطولة ومعاناة

في بعض الأعمال الفنية يتقاطع تمجيد البطولة مع تصوير ضعف الإنسان في الحرب. ففي لوحة "موت الجنرال وولف" (1770) للرسام بنيامين ويست، يظهر القائد البريطاني جيمس وولف وهو يُحتضر بعد "معركة سهول إبراهام" عام 1759.

اختار ويست تصوير الجنرال بملابس معاصرة بدل الأزياء الكلاسيكية التقليدية، في خطوة جريئة آنذاك. كما توحي وضعيته بوضعية المسيح في الأيقونات الدينية، ما يضفي على موته بُعدًا شبه مقدّس، ويحوّله إلى رمز للتضحية الوطنية.

أمّا الفنان الأميركي جون سينغر سارجنت فقد قدّم صورة مختلفة تمامًا للحرب الحديثة في لوحته "المُسمَّمون بالغاز" (1919). يظهر الجنود البريطانيون وقد فقدوا بصرهم نتيجة الغاز السام، يسيرون متعثرين نحو المستشفى الميداني. هنا لا بطولة ولا مجد، بل مشهد صامت لمعاناةٍ إنسانية عميقة تكشف الوجه الصناعي المُرعب للحرب العالمية الأولى.


الحرب والجبهة الداخلية

لا تقتصر آثار الحرب على ساحات القتال، فهي تمتدّ إلى الحياة اليومية للمجتمعات. وقد عبّر الرسام الأميركي نورمان روكويل عن هذا البعد في لوحته "التحرّر من العوز" (1943)، التي تصوّر عائلة أميركية مجتمعة حول مائدة "عيد الشكر".

رُسمت اللوحة ضمن سلسلة "الحريات الأربع" المستوحاة من خطاب الرئيس فرانكلين روزفلت، وكانت جزءًا من الجهد الدعائي الذي هدف إلى رفع معنويات الأميركيين خلال الحرب العالمية الثانية. ورغم بساطة المشهد ودفئه، فإنه يذكّر بالمُثل التي اعتبر الأميركيّون أنهم يقاتلون دفاعًا عنها.


تنوُّع الرؤى الفنية

تكشف هذه الأعمال مجتمعةً عن تنوّع كبير في طرق تصوير الحرب. فقد ركّز غويا على رعبها ومآسيها الإنسانية، بينما احتفى دو لاكروا ولوتز بروح المقاومة والبطولة. في حين استخدم دافيد الفن لتعزيز صورة القائد السياسي، وجمع ويست وسارجنت بين البعد البطولي والواقعية المؤلمة، بينما سلّط روكويل الضوء على تأثير الحرب في المجتمع وقيمه.

وبذلك لا تكتفي هذه اللوحات بعكس أحداث التاريخ، بل تُسهم أيضًا في تشكيل الذاكرة الجماعية. فهي تدعو المشاهد إلى التأمُّل، وإلى إعادة التفكير في معنى الحرب والبطولة والتضحية. وتشهد تلك اللوحات على تعقيد التجربة الإنسانية في زمن الحرب. إنها لا تكتفي بتسجيل الأحداث، بل تطرح أسئلة أخلاقية عميقة عن العنف والسلطة، وعن الحرية والمعاناة، وعن قدرة الإنسان على الصمود في مواجهة الخراب.

وهكذا، عندما يتأمّل المُشاهد بعض اللوحات يُدرك أن الفن حتى في أحلك اللحظات التاريخية، يظلّ من أقوى الوسائل لفهم التجربة الإنسانية والتعبير عنها.