نداء الوطن

القليعة لبست ثوب الحداد…

القلوب قبل العيون بكت في وداع الأب بيار الراعي

7 دقائق للقراءة
القليعة

لفّ الحزن بلدة القليعة أمس ولبست السواد وارتفعت الصلوات والدموع في مأتم شعبي حاشد يليق بمقام الشهيد الخوري بيار الراعي، الذي تحوّل إلى أول وأكبر شهيد تقدّمه البلدة في الحرب الدائرة على أرض الجنوب. مشهد التشييع لم يكن عاديًا، فالحزن الذي خيّم على البلدة بدا وكأنه يطول كل حجر فيها، حزنًا على كاهنٍ عرفه الأهالي أبًا وراعيًا بقي إلى جانب رعيته حتى اللحظة الأخيرة.

وقد استقبل أهالي البلدة نعش كاهنهم وسط القليعة عند دوار القديس جاورجيوس، شفيع البلدة، حيث حُمل النعش على الأكف ووسط نثر الورود والأرز والزغاريد، وعلى وقع موسيقى "فرقة النوبة" التي زفته عريسًا بنعشه الأبيض، إلى مذبح كنيسة القديس جاورجيوس المارونية.

وعند وصول الموكب إلى باحة الكنيسة، قرعت الأجراس وارتفعت الصلوات وكلمات الرثاء التي استذكرت فضائل الراحل، والذي عُرف بكاهن الشجاعة والبسالة والمحبة، والذي استطاع أن يجمع أبناء البلدة حول قيم الإيمان والتضامن. وخلال المراسم، حضر قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل لتقديم التعازي بالشهيد.

وترأس مراسم الدفن النائب البطريركي المطران الياس نصار ممثلًا غبطة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي، بمشاركة السفير البابوي في لبنان باولو بورجيا، ورئيس أساقفة أبرشية صور المارونية المطران شربل عبد الله، ميتروبوليت صيدا وصور ومرجعيون وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس كفوري، إلى جانب لفيف من المطارنة والكهنة.

كما حضر شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ سامي أبي المنى ممثلًا برئيس اللجنة الثقافية الشيخ وسام سليقا، والنائبان غادة أيوب وملحم خلف، ووزير الشؤون الاجتماعية السابق هيكتور حجار، قائد اللواء السابع في الجيش اللبناني العميد الركن طوني فارس، مدير مكتب مخابرات مرجعيون العقيد حنا حليحل، قائد القطاع الشرقي في "اليونيفيل" الجنرال انطونيو رامون برنال مارتين، رئيس بلدية القليعة حنا ضاهر، إلى جانب عدد من رؤساء بلديات، والضباط والفاعليات السياسية والتربوية والاجتماعية، وحشد كبير من أبناء البلدة والبلدات المجاورة وأهل الفقيد.

الأهالي منعوا جرادة من دخول الكنيسة

وخلال المراسم وصل النائب الياس جرادة إلى البلدة، إلا أن الأهالي منعوه من الدخول إلى الكنيسة تعبيرًا عن حالة الحزن والغضب التي تعيشها البلدة بعد فقدان كاهنها. وعن رفضهم للمواقف التي يتخذها جرادة والمؤيدة والداعمة لـ "حزب الله" الذي فتح الحرب وكان السبب برأيهم باستشهاد الخوري بيار الراعي.

وفي دردشة خاصة مع مساعد خادم رعية القليعة الخوري أنطونيوس فرح قال قائد الجيش نحن باقون معكم ونحن آخر من يترك المنطقة.

الرقيم البطريركي: "آثر المواقف الشجاعة مع أهل بلدة القليعة"

بعد القداس الجنائزي تلا الرقيم البطريركي الخوري جورج يرق رسالة التعزية الصادرة عن البطريركية المارونية في بكركي باسم البطريرك مار بشارة بطرس الراعي، والتي أشادت بمناقب الشهيد ومسيرته الكهنوتية وخدمته الرعوية، مؤكدة أن استشهاده يشكّل شهادة إيمان ومحبة لأبناء القليعة ولبنان.

ومما جاء فيها: "باسم ميلاد الراعي وشقيقيه وشقيقاته، إخوة المرحوم الخوري الشهيد بيار الراعي، وأبناء وبنات بلدتي دبل والقليعة المحترمين.

بالألم والأسى الشديدين تلقينا معكم خبر استشهاد عزيزكم وعزيزنا الخوري بيار الراعي، ابن بلدة دبل الحزينة، وكاهن رعية القليعة التي تبكي بالدموع راعيها الغيور والشجاع وصاحب الصفات الكهنوتية المنعّمة بالفضائل الإلهية. لكننا برجاء قيامة المسيح فادينا نتطلّع إلى استشهاده المؤلم مشاركةً في آلام الفداء، ونرافقه بالصلاة في عبوره إلى بيت الآب في السماء، حيث مقرّ الأبرار والشهداء. ولم يمرّ شهر على وفاة والدكم.

إنه بعد في الرابعة والخمسين من العمر، وهو في كامل نشاطه وعطائه في رعية مار جرجس – القليعة العزيزة مع معاونه عزيزنا الخوري أنطونيوس عيد فرح. سيم كاهنًا سنة 2004 وانطلق في خدمته الرعوية في القليعة معاونًا للمرحوم المونسنيور منصور الحكيم، ثم عيّنه سيادة أخينا المطران شربل عبد الله كاهنًا للرعية منذ العام 2021. وقد وصفه لنا بكلماته الأبوية أنه الأمين والغيور على تعاليم كنيسته الكاثوليكية، والأخ المحب دون تمييز لكل إخوته الكهنة. دخل صلب الحياة الرعوية بمفتاح المحبة اللامشروطة، مرحًا مع الأطفال، واعدًا بالمستقبل الأفضل للشبيبة، وحصنًا منيعًا للعائلات ركن الكنيسة والمجتمع، حتى باتت رعية مار جرجس – القليعة أنموذجًا لرعية المسيح النابضة بالحياة.

هذا ما أهّل شهيدنا الغالي لخدمة أماكن عديدة كوكيل أسقفي في منطقة مرجعيون – حاصبيا، ومرشدًا لإقليم كاريتاس فيها. كما شغل منصب المسؤول عن الشؤون القضائية والقانونية في أبرشية صور كونه محاميًا للعدل والوثاق في محكمتنا الابتدائية الموحّدة، ووسّع نشاطه في خدمة المتقاضين والمؤمنين، وقضى ثلاث سنوات في مرتبة السجون مدافعًا رسوليًا وأبًا روحيًا ومرافقًا إنسانيًا مباركًا حتى النفس الأخير.

كلنا نعلم كيف آثر المواقف الشجاعة مع أهل بلدة القليعة الصامدة بأبنائها، حفاظًا على أرضها من جهة، وتأكيدًا لرفضهم الحرب الدائرة بين "حزب الله" وإسرائيل التي يدفع ثمنها اللبنانيون المخلصون لوطنهم رغمًا عنهم من جهة ثانية".


أجراس الكنيسة ستبقى تقرع بقوة

وفي كلمات التأبين، عبّر الأهالي عن غضبهم العميق من الواقع الذي أوصل البلاد إلى هذه المأساة، معتبرين أن دم الأب بيار الراعي هو شاهد جديد على الثمن الباهظ الذي يدفعه المدنيون في القرى الحدودية نتيجة مغامرات عسكرية يدفع ثمنها الأبرياء.

وأشار رئيس بلدية القليعة حنا ضاهر في كلمة، إلى أن استشهاد الراعي ليس خسارة لبلدة القليعة فحسب بل هو جرح نازف في ضمير الوطن، وشهادة حية على حجم التضحيات التي يبذلها أهلنا الصامدون في القرى الحدودية، دفاعًا عن كرامتهم ووجودهم.

وأضاف ضاهر: "الخوري بيار الراعي لم يسقط ضحية عابرة، بل ارتقى شهيدًا، وهو في قلب الرعية بين ناسه وأهله، ثابتًا في أرضه التي طالما وصفها بأنها أرض القداسة، لقد كان يؤمن كما نؤمن نحن اليوم أكثر من أي وقت مضى، بأن وجودنا في هذا الجنوب ليس صدفة، بل أمانة تاريخية لشهداء القليعة وأمانة لا تباع ولا تشترى".


شهادات أبناء القليعة

وأكد أبناء القليعة أن استشهاد الخوري بيار الراعي لن يرهبهم ولن يدفعهم إلى ترك أرضهم، بل سيزيدهم تمسّكًا ببلدتهم وبحقهم في العيش بسلام بعيدًا من الحروب المفروضة عليهم. وشدّدوا على أن القليعة التي ودّعت اليوم كاهنها الشهيد ستبقى متمسكة بذكراه وبالرسالة التي عاش من أجلها: خدمة الناس والصمود في الأرض.

من جهته قال الخوري يوسف باسيل: "صراحةً، لا نعرف إن كان ما نعيشه اليوم خسارة أم ربحًا. تمامًا كما في آلام المسيح، نحن مدعوون في الوقت نفسه إلى الحزن وإلى الفرح. نحزن لأننا خسرنا أبًا عظيمًا، هامةً كبيرة في قلب هذه المنطقة. أبونا الذي تعب كثيرًا، سهر كثيرًا، وركض بلا كلل في سبيل الناس".

أضاف: "نذكر جيدًا كيف صمد في الحرب الماضية، وكيف ساعد الأهالي على البقاء في بيوتهم وفي أرضهم. كان حاضرًا دائمًا بينهم: يؤمّن الأدوية، يساعد الجرحى والمرضى، يواكب الناس إلى المستشفيات، ويقف إلى جانب كل محتاج. لم يكن يومًا غائبًا عن أحد. 

ولكننا، في المقابل، نفرح أيضًا، لأننا أصبح لنا شفيع جديد في السماء. وكما إن يسوع المسيح بآلامه خلّصنا وافتدانا، فإن هذه الآلام هي أيضًا آلام قيامة. فلو كان رجاؤنا محصورًا بهذه الأرض فقط، لكنا أشقى الناس.

لهذا السبب نحن اليوم نعيش حزنًا عميقًا، حزنًا كبيرًا على خسارة لا تخصّ هذه البلدة فقط، بل المنطقة كلها، بل لبنان أيضًا. فقد خسرنا كاهنًا حمل المسيح بسرّ الكهنوت، لكنه أيضًا حمل إنسانية كبيرة. كان إنسانًا بكل معنى الكلمة، حاضرًا دائمًا ليخدم على مثال معلمه الصالح".

أما المربي خضر رزق فقال: "خسارة فادحة ومؤلمة جدًا، وموقف صعب على البلدة بأكملها. ما خسرناه ليس أمرًا بسيطًا، بل هو خسارة للرعية، وخسارة للضيعة، وخسارة للكنيسة، وخسارة لكل واحد منا شخصيًا. الخوري بيار الراعي لم يكن مجرد كاهن، بل كان أبًا حقيقيًا للجميع، حاضرًا بين الناس، قريبًا من آلامهم وهمومهم. لكن عزاءنا اليوم أن الخوري بيار زرع فينا خلال هذه السنوات روح المحبة والعطاء".