لا تزال حركة الملاحة عبر مضيق هرمز الاستراتيجي تحتلّ أهمية كبرى في الحرب ضدّ النظام الإيراني المأزوم، إذ يحاول الأخير من خلال إعاقة مرور السفن عبر المضيق فرض نهاية مبكرة للحرب، في ظلّ تكثيف وتوسيع الضربات الأميركية - الإسرائيلية ضدّه على مدار الساعة، بالتوازي مع تراجع قدرته على إطلاق الصواريخ والمسيّرات. غير أن واشنطن وحلفاءها يأبون الخضوع لابتزاز ملالي طهران، إذ قرّرت الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية بالإجماع، إطلاق أكبر سحب على الإطلاق من مخزونات النفط الطارئة في تاريخ الوكالة، حيث ستتيح 400 مليون برميل من النفط للسوق لتعويض الإمدادات المفقودة نتيجة الوضع في مضيق هرمز. وأكدت الوكالة أنه "سيجري توفير المخزونات الطارئة للسوق وفقًا لجدول زمني يتناسب مع الوضع الوطني لكلّ دولة عضو، وسيتمّ استكمالها بتدابير طارئة إضافية في بعض البلدان".
وتعرّضت ثلاث سفن لضربات بمقذوفات في مضيق هرمز أمس، ليرتفع بذلك عدد السفن التي تعرّضت لهجمات في المنطقة منذ بدء الحرب إلى 14 سفينة على الأقلّ. وتوعّد "مقر خاتم الأنبياء" في طهران بأنه على العالم أن يستعدّ لوصول سعر برميل النفط إلى 200 دولار، فيما أفادت "رويترز" بأن إيران زرعت نحو 12 لغمًا في مضيق هرمز، لكن الرئيس ترامب أكد أنه لا يعتقد أن إيران نجحت في زرع أي ألغام في المضيق، إذ دمّرت بلاده "تقريبًا كلّ" سفن زرع الألغام التابعة لها، متحدّثًا عن ضرب 28 من تلك السفن. وشجّع ناقلات النفط على عبور المضيق، حاسمًا أنه "ستشهدون مستوى كبيرًا من الأمان، وسيحدث ذلك سريعًا جدًا". وأظهرت بيانات "مارين ترافيك" أن ست سفن عبرت المضيق خلال الأيام القليلة الماضية، وغالبيتها نجحت بذلك بعد إطفاء إشارات التتبع البحري الخاصة بها أو محاولة إخفاء مواقعها الحقيقية. وتُصدّر إيران مزيدًا من النفط عبر المضيق مقارنة بما كانت عليه الحال قبل الحرب، حسب صحيفة "وول ستريت جورنال".
وبعدما حضت القيادة المركزية الأميركية، المدنيين في إيران على تجنب كافة المرافق البحرية والموانئ التي تعمل فيها القوات البحرية الإيرانية، مشيرة إلى أن النظام الإيراني يستخدم الموانئ المدنية على طول مضيق هرمز لتنفيذ عمليات عسكرية تهدّد الملاحة الدولية، هدّدت طهران بأنه "إذا تعرّضت موانئنا وأرصفتنا للتهديد، فإن كافة الموانئ والأرصفة في المنطقة ستكون أهدافنا المشروعة". وبعد استهداف مكاتب بنك إيراني، توعّدت إيران بأنها ستبدأ مهاجمة بنوك تتعامل مع أميركا أو إسرائيل، مطالبة الناس بالابتعاد 1000 متر عن البنوك في أنحاء الشرق الأوسط.
واعتمد مجلس الأمن الدولي، بغالبية 13 صوتًا وامتناع روسيا والصين، قرارًا خليجيًا - أردنيًا يدين هجمات إيران على دول الخليج والأردن، ويعتبرها انتهاكًا للقانون وتهديدًا للسلم الدولي، ويطالب بـ "الوقف الفوري" لتلك الهجمات. كما يدين القرار "أي عمل أو تهديد" من جانب إيران "يهدف إلى إغلاق أو عرقلة أو التدخل بأي شكل من الأشكال في الملاحة الدولية في مضيق هرمز". وأيّدت 135 دولة النصّ الذي قدّمته البحرين مع بقية أعضاء مجلس التعاون الخليجي، بالإضافة إلى الأردن.
وبينما توعّدت طهران بـ "حرب استنزاف طويلة الأمد ستدمّر الاقتصاد الأميركي برمّته"، واصفة ترامب بأنه "الشيطان بذاته" وأكثر رؤساء أميركا "فسادًا وغباء"، أكد الرئيس الأميركي أن الحرب ستنتهي "قريبًا" لأنه "لم يعد هناك عمليًا أيّ شيء يُستهدف"، حاسمًا أنه "في أي وقت أريد أن تنتهي فيه الحرب، ستنتهي". وأوضح أن بلاده "قضت على قيادتهم مرّتين"، لافتًا إلى أنه "الآن لديهم مجموعة جديدة تتقدّم. لنرَ ماذا سيحدث لهم". ورأى أن الملالي "يدفعون ثمن 47 عامًا من الموت والدمار اللذين تسبّبوا فيهما، هذا ردّ بالمثل، ولن يفلتوا من ذلك بهذه السهولة"، في وقت جزمت فيه تل أبيب بأن الحرب "ستستمرّ من دون أي حدّ زمني حتى نحقق كافة الأهداف وننتصر في الحملة"، مؤكدة أنها ما زالت تمتلك مجموعة واسعة من الأهداف التي يمكن ضربها. بالتزامن، اشترطت طهران بأن السبيل الوحيد لإنهاء الحرب هو الاعتراف بالحقوق المشروعة لإيران ودفع تعويضات وتقديم ضمانات دولية صارمة ضدّ أي عدوان في المستقبل.
توازيًا، أكد قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر أن مهمة الجيش الأميركي هي القضاء على قدرة إيران على إظهار قوّتها ومضايقة حركة الشحن في مضيق هرمز، حاسمًا أن "القوّة القتالية الأميركية تتعاظم، فيما تتراجع القوّة القتالية الإيرانية". وكشف تراجع الهجمات الإيرانية بالصواريخ الباليستية بنسبة 90 في المئة، والقضاء على أكثر من 5500 هدف، وتأمين السيادة الجوية على أجزاء كبيرة من إيران، وإغراق و/ أو تدمير أكثر من 60 سفينة إيرانية، وإخراج كافة السفن الحربية الأربع من فئة "سليماني" من الخدمة. وشن الجيش الإسرائيلي موجات واسعة من الضربات الجوية ضدّ بنى تحتية للنظام الإيراني في طهران ومناطق أخرى.
واستهدف الجيش الإسرائيلي مقرّات وقواعد تابعة لقوات الأمن الداخلي و "الباسيج"، إضافة إلى مقر جهاز المخابرات التابع للنظام. وبينما توعّدت الشرطة الإيرانية بأن من سينزلون إلى الشوارع للاحتجاج ضدّ النظام سيعاملون على أساس أنهم "أعداء وليسوا محتجين"، أفادت وسائل إعلام إيرانية مرتبطة بالنظام بأن عددًا من عناصر الأمن الإيراني و "الباسيج" قُتلوا في هجمات بمسيّرات من قبل إسرائيل استهدفت نقاط تفتيش في أنحاء طهران أمس.
أوروبّيًا، وافق سفراء الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على عقوبات جديدة تستهدف 19 مسؤولًا وكيانًا تابعين للنظام الإيراني، مسؤولين عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. وقرّرت سويسرا إغلاق سفارتها في طهران موَقتًا بسبب الحرب، مؤكدة أنها ستحافظ على خط اتصال مفتوح بين واشنطن وطهران بالتشاور مع البلدين. وستستضيف رومانيا طائرات أميركية للتزوّد بالوقود ومعدّات مراقبة وأنظمة اتصالات عبر الأقمار الاصطناعية لدعم العمليات في إيران، مؤكدة أن هذه المعدّات "دفاعية" ولا تحمل أي ذخائر.
وفي ظلّ المخاوف من تحرّك خلايا إرهابية إيرانية نائمة في دول عدّة، حذر مكتب التحقيقات الفدرالي الأميركي في نهاية الشهر الماضي، أقسام الشرطة في كاليفورنيا، من أن إيران تسعى إلى الردّ على أميركا بهجمات بمسيّرات على الساحل الغربي انطلاقًا من سفينة غير محدّدة قبالة ساحل البرّ الأميركي، حسب شبكة "أيه بي سي". بيد أن ترامب أوضح أنه غير قلق في شأن أي هجمات تدعمها إيران داخل الأراضي الأميركية. وأعلنت مجموعة القرصنة الإلكترونية المرتبطة بإيران "حنظلة"، مسؤوليتها عن هجوم واسع النطاق على شركة "سترايكر" الأميركية العملاقة للتكنولوجيا الطبية، زاعمة بأنها استخرجت 50 تيرابايت من البيانات. بالتوازي، أوقفت الشرطة النروجية ثلاثة أشقاء من أصول عراقية للاشتباه في ضلوعهم في "تفجير إرهابي" حصل في نهاية الأسبوع الماضي عند أحد مداخل السفارة الأميركية في أوسلو وتسبّب في أضرار طفيفة من دون وقوع إصابات، مشيرة إلى احتمال أن يكون الهجوم قد نفذ "بأمر من جهة حكومية".