باتت الدول الخليجية اليوم في قلب الحرب الدائرة بين إيران من جهة، وأميركا وإسرائيل من جهة أخرى، وهي تقف في مرمى خطر الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، التي تهز أمنها وأمان شعوبها، رغم التصدّي الواسع للنسبة الأكبر من تلك الصواريخ والمسيّرات. لكن هذا التصعيد أعاد إلى الواجهة أمن الدول الخليجية، وفعالية اتفاقية الدفاع المشترك التي وُقعت في المنامة عام 2000 بين دول مجلس التعاون الخليجي، والهدف منها تعزيز التكامل الدفاعي والتنسيق المستمر بين هذه الدول لمواجهة التهديدات الإقليمية.
في أيلول الماضي وعلى هامش القمة العربية - الإسلامية الطارئة في الدوحة بعد الهجوم الإسرائيلي على العاصمة القطرية، دعا قادة الخليج إلى اتخاذ إجراءات لتفعيل "آليات الدفاع المشترك" لمجلس التعاون. اليوم، وفي خضم التهديد الإقليمي الأكبر ألا وهو إيران، سؤال يُطرح: هل تحتاج دول الخليج إلى ما هو أكبر من اتفاقية دفاع مشترك، أي إلى نوع من تحالف عسكري إقليمي يشبه حلف "الناتو"، لضمان أمنها الجماعي؟
تاريخيًا، اعتمدت دول الخليج إلى حد كبير على الشراكات الأمنية مع القوى الدولية الكبرى، خصوصًا أميركا، لضمان أمنها وحماية الممرات البحرية والمنشآت الحيوية. إلّا أن تزايد الأزمات والتهديدات الإقليمية يدفع إلى التفكير في صيغة تعاون عسكري خليجي أكثر تنظيمًا واستقلالية، وأبعد من مجرّد اتفاقية دفاع مشترك. ويستند طرح فكرة "ناتو خليجي" إلى اعتبارات عدّة، أوّلها أن التهديدات الأمنية في المنطقة باتت مشتركة، سواء تعلّقت بالصواريخ أو بالمسيّرات الإيرانية التي تحلّق في سماء الخليج يوميًا والتي باتت خطرًا يهدّد أمن منشآتها وسكانها، وهذا الخطر يتجاوز حدود الدولة الواحدة، ما يجعل توسيع التنسيق الدفاعي بين الدول أمرًا ضروريًا لمواجهتها بفعالية.
ثاني هذه الاعتبارات، هو أهمية تكامل القدرات العسكرية بين دول الخليج. فكل دولة تمتلك قدرات وخبرات مختلفة يمكن أن تشكّل، إذا جرى توحيدها ضمن إطار دفاعي مشترك، قوّة ردع إقليمية أكثر تأثيرًا. في الواقع، لدول الخليج سابقة في التعاون الدفاعي المشترك تمثل في قوات "درع الجزيرة"، وهي قوة عسكرية مشتركة أُسّست عام 1982 وبدأت العمل فعليًا عام 1986 لتكون أداة للدفاع المشترك، وسبق وتدخلت في البحرين عام 2011. لكن مخاطر اليوم تختلف عن مخاطر الأمس، فوجود تحالف دفاعي واضح قد يعزز من مفهوم الردع الجماعي، وهو المبدأ الذي يرتكز عليه "الناتو"، حيث يعتبر أي هجوم على دولة عضو بمثابة هجوم على جميع الأعضاء. مثل هذا المبدأ قد يرفع كلفة أي تهديد محتمل ويقلّل من فرص التصعيد العسكري في المنطقة.
مع ذلك، فإن إنشاء "ناتو خليجي" دونه تحديات، فالتنسيق العسكري العميق يتطلّب مستوى عاليًا من التوافق السياسي والاستراتيجي بين الدول الأعضاء، إضافة إلى توحيد العقائد العسكرية وأنظمة التسليح وطرق القيادة والسيطرة. كما أن اختلاف أولويات بعض الدول في علاقاتها الإقليمية قد يشكّل عائقًا أمام بناء تحالف دفاعي متكامل.
ورغم أن فكرة "ناتو خليجي" تبدو أقرب إلى مشروع استراتيجي طويل المدى منه إلى خطوة سريعة التنفيذ، إلّا أن تصاعد التهديدات الأمنية في المنطقة قد يدفع دول الخليج تدريجيًا نحو تعزيز التعاون العسكري وبناء نظام أمني جماعي قادر على حماية استقرارها ومواجهة التحديات المتغيّرة. فالأمن في الخليج اليوم لم يعد شأنًا وطنيًا منفردًا، بل قضية إقليمية تتطلّب تنسيقًا أعمق ورؤية استراتيجية مشتركة.