لكلّ حرب أكلافها التي تتفاوت باختلاف ماهية الصراع وضراوته ومدّته. بيد أن تحمّل الكلفة على جسامتها ريثما تُحيّد المخاطر جذريًّا، يبقى أقلّ كلفة بما لا يُقاس من الانسحاب المبكر من ساحة المعركة تحت وطأة الانعكاسات الفادحة، وترك التهديد قائمًا ومرشحًا لتفجير أزمات أعظم في قابل الأيّام. وهذا تمامًا ما ينطبق اليوم على الحرب ضدّ نظام آيات الله. هكذا ينظر المعارضون الإيرانيون الساعون إلى طيّ صفحة حكم الملالي إلى المسألة بكلّ بساطة.
عرفت طهران أين تضرب لتتسبّب بالذعر وعدم اليقين على الساحة الدولية، فعمدت إلى مهاجمة منشآت الطاقة وناقلات النفط والبنية التحتية الحيوية في الخليج وتعطيل الملاحة عبر مضيق هرمز. هذه الاعتداءات المستمرّة أدّت إلى أكبر اضطراب في إمدادات النفط في تاريخ السوق العالمية، وبدأ يظهر أثرها على أسعار غالون البنزين في الولايات المتحدة. يُدرك غلاة "الكربلائيين" في طهران أنهم لا يستطيعون الفوز في مواجهة كلاسيكية مباشرة مع أميركا وإسرائيل، فاختاروا إحداث فوضى عارمة عابرة للقارات لإنقاذ نظامهم من الهلاك.
يتحضّر ترامب وحزبه الجمهوري للانتخابات النصفية هذا العام وسط قلق الناخبين من التضخم والوضع الاقتصادي الضاغط. لا مصلحة لواشنطن بإطالة أمد الحرب، وارتداد ذلك على إمدادات الطاقة بشكل أعمق. لكن أميركا لا ترى جدوى أيضًا بإنهاء الحرب من دون تحقيق مكاسب وازنة. إلّا أن تطورات الحرب المفاجئة قد تفرض إيقاعها على اللاعبين مهما كبر حجمهم، وتجرّهم إلى مزيد من الانخراط بها لحسمها وفق شروط "الأقوى"، خصوصًا إذا كان "الأضعف" نظامًا ثيوقراطيًا متزمّتًا لا يعبأ بميزان الأرباح والخسائر.
تريد واشنطن إعادة صياغة النظام السياسي - الأمني الإقليمي بإيجاد حلّ مستدام للملف الإيراني بأبعاده النووية وغير النووية، وهذا ما تهدف إليه من خلال الحرب. مسألة تغيير النظام ليست غاية بحدّ ذاتها بالنسبة إلى إدارة ترامب. كانت أميركا تُفضل حلًّا محسوبًا مع شخصية أو مجموعة "متعاونة" من أركان النظام لتدير "مرحلة انتقالية" كما يحصل في فنزويلا. غير أن طبيعة النظام في إيران مختلفة جوهريًا عن تركيبة النظام في فنزويلا، وما فصّل على مقاسات كاراكاس لا يتطابق مع قياسات طهران الأكثر تعقيدًا. تعي واشنطن هذا الأمر والحرب شاهدة على ذلك.
النجاح في "تصفير" النووي والباليستي والمسيّرات والبحرية والأذرع، بالقوّة العسكرية الساحقة، إذا ترجم بالفعل على أرض الواقع كمحصّلة نهائية للحرب، لا يعني أن ملالي طهران لن يستغلّوا ظروفًا مؤاتية مستقبلًا لبناء ما دُمّر وتكرار تصدير ثورتهم، إن احتفظوا بمقاليد الحكم، ولا سيّما أن الجناح الأكثر تشدّدًا داخل النظام أصبح هو من يدير اللعبة في طهران. هذا ما تخشاه الدولة اليهودية، المستعدّة لتحمّل كافة الأعباء المترتبة عن الحرب المستعرة للتخلّص من نظام معاد يدعو إلى إزالتها من الوجود، بدل التفريط بالفرصة الاستثنائية السانحة اليوم، ودفع أثمان مضاعفة غدًا. وربّما لن تكون واشنطن حينها حاضرة إلى جانب تل أبيب بالزخم عينه.
بعيدًا من مصالح الدول واعتبارات أمنها القومي، تجد غالبية الإيرانيين نفسها أمام منعطف مصيري بالغ الدقة. يتخوّف المعارضون من أن تضع الحرب أوزارها مع بقاء نظام الملالي قويًا، أقلّه في معادلة موازين القوى الداخلية. فلن يتردّد "النمر الجريح" من صبّ جام غضبه على "أعداء الداخل" بعد خروجه معطوبًا من حرب غير متكافئة. ارتكب النظام جرائم ضدّ الإنسانية بداية هذا العام بحق الثائرين ضدّه، من دون أن يرفّ له جفن، فماذا سيفعل من "فقدَ صوابه" عندما يتفرّغ للثأر مِن مَن يعتبرهم "عملاء" يستحقّون الموت؟ لا يريد الإيرانيون سوى التحرّر من طغيان نظام أصولي لم يجلب سوى الفساد والخراب على بلادهم. بيد أن فاتورة الدمّ اللازمة لاجتياز "المحطّة الأخيرة" من "ثورة الحرّية" قد تفوق إلى حدّ كبير كلفة الحرب.