أنطوني شمعون

بعد عقدين من 14 آذار: هل يمكن للبنان أن يتوحّد مرّة أخرى؟

9 دقائق للقراءة

المصدر: The Beiruter

كتب أنطوني شمعون في موقع The Beiruter المقال الآتي: 


في 14 آذار 2005، شهد لبنان واحدة من أبرز اللحظات في تاريخه السياسي المعاصر. فقد احتشد أكثر من مليون لبناني في ساحة الشهداء في بيروت في ثورة غير مسبوقة تجاوزت الانقسامات الطائفية والسياسية. اجتمع المسيحيون والسنّة والشيعة والدروز تحت راية واحدة مطالبين بالحرّية، السيادة والاستقلال.

تجاوزت أهمّية الثورة حجم الحشود، إذ مثلّت 14 آذار لحظة نادرة في التاريخ اللبناني: لحظة اجتمع فيها المواطنون من خلفيات متنوّعة حول قضية وطنية مشتركة. ومع مرور عقدين على هذه الذكرى، تدعو هذه المناسبة إلى التأمّل ليس فقط فيما حقّقته الانتفاضة، بل أيضًا في الدروس التي تقدّمها لمستقبل لبنان، لا سيّما أهمّية الوحدة الوطنية في الحفاظ على السيادة وإعادة بناء دولة فاعلة.

حركة عابرة للطوائف وظهور المعارضة الشيعية

واحدة من أبرز سمات حركة 14 آذار كانت طبيعتها العابرة للطوائف. فقد عُرف النظام السياسي اللبناني تاريخيًا بالانقسامات الطائفية، إلّا أنّ الثورة جمعت مواطنين من مجموعة واسعة من الخلفيات الدينية والسياسية. وقد عاش العديد من اللبنانيين لحظة نادرة من الهوية الجماعية، حيث بدا الانتماء الطائفي ثانويًا أمام الطموح المشترك في إقامة دولة ذات سيادة.

تضمّنت التحالفات السياسية التي نشأت من الحركة أحزابًا تمثّل مكوّنات سنّية ومسيحية ودرزية، أبرزها: تيار المستقبل بقيادة سعد الحريري، القوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع، حزب الكتائب اللبنانية بقيادة أمين جميّل، التيار الوطني الحرّ بقيادة ميشال عون، والحزب التقدّمي الاشتراكي بقيادة وليد جنبلاط. وانضمّت إليها مجموعات أخرى مثل حركة التجدّد الديمقراطي، حركة اليسار الديمقراطي، حزب الوطنيين الأحرار، تجمّع قرنة شهوان، والكتلة الوطنية.

إلّا أنّ الحركة لم تقتصر على قيادة هذه الأحزاب السياسية. فقد لعبت منظّمات المجتمع المدني، والحركات الطلابية، والناشطون المستقلّون دورًا محوريًا في تحريك شرائح واسعة من المجتمع.

كما ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ الثورة شملت أيضًا أعضاء من المجتمع الشيعي الذين عارضوا النفوذ السوري في لبنان. ورغم أنّ الأحزاب الشيعية الكبرى (حزب الله وحركة أمل) انحازت إلى المعسكر الموالي لسوريا، إلّا أنّ العديد من المواطنين الشيعة شاركوا في التظاهرات وأبدوا دعمهم لمطالب السيادة والإصلاح السياسي.

نظّمت المعارضة الشيعية الناشئة نفسها عبر ما عرف بـ "اللقاء الشيعي"، وهو شبكة من الناشطين والشخصيات السياسية التي دعت إلى هوية لبنانية وطنية تتجاوز الانتماءات الطائفية. وكانت مشاركتهم هامّة لأنّها تحدّت الصورة القائلة بأنّ المجتمع الشيعي يتحدّث بصوت سياسي واحد. ومع ذلك، واجه هؤلاء الناشطون ضغوطًا وتهديدات متكرّرة، وغالبًا ما وُصفوا بـ "شيعة السفارات"، وهي تهمة مسيئة توحي بأنّهم يخدمون مصالح أجنبية. ومع ذلك، عزّز وجودهم الطابع الوطني الأوسع لحركة 14 آذار.

الحاجة إلى وحدة وطنية متجدّدة

بعد عقدين من ثورة الأرز، يجد لبنان نفسه أمام واقع أكثر تعقيدًا وهشاشة. البلاد تواجه واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخها الحديث، ونظامًا سياسيًا مشلولًا، وفسادًا واسع الانتشار، وفقدانًا كبيرًا للثقة العامّة بالمؤسّسات الحكومية. في الوقت نفسه، اختلفت العديد من القوى السياسية التي اتّحدت سابقًا تحت راية 14 آذار مع بعضها البعض، فيما عادت الانقسامات الطائفية لتفرض نفسها مرّة أخرى على المشهد السياسي.

في هذا السياق، يقدّم روح 14 آذار درسًا هامًّا للغاية: فاستقرار لبنان وبقاؤه يعتمد على قدرة المواطنين على تجاوز الانقسامات الطائفية والسياسية والإتّحاد حول رؤية وطنية مشتركة.

لا تعني هذه الوحدة تجاهل تنوّع البلاد، إذ تبقى الهوية التعدّدية للبنان إحدى سماته الأساسية، ولكلّ مكوّن مخاوفه ومطالبه المشروعة التي يجب احترامها. ومع ذلك، تتطلّب الوحدة الوطنية الاعتراف بأنّ مصالح الدولة يجب أن تتقدم على أي أجندات سياسية أو طائفية ضيقة.

لذلك، يجب أن يركّز المشروع الوطني المتجدّد على تعزيز مؤسّسات الدولة اللبنانية واستعادة سلطتها في كافّة الأراضي.

وفي قلب هذا الجهد يكمن المبدأ القائل بأنّ الدولة يجب أن تحتكر وحدها السلاح وقرار الحرب والسلم. فلا يمكن لدولة ذات سيادة أن تعمل إذا كانت هناك هياكل عسكرية أو أمنية موازية تعمل خارج سلطتها، ممّا يجعل بعض المواطنين "من الدرجة الأولى" وآخرين "من الدرجة الثانية". كما وضمان أنّ الدولة اللبنانية وحدها تتحكّم بشؤون الدفاع والأمن أمر أساسي لاستعادة الاستقرار وحماية السيادة الوطنية.

تُظهر ذاكرة 14 آذار أنّ مثل هذه الوحدة ليست مستحيلة. ففي ذلك اليوم عام 2005، تخلّى مئات الآلاف من اللبنانيين عن خلافاتهم للدفاع عن رؤية مشتركة للسيادة والاستقلال. واستعادة هذا الروح اليوم لا تتطلّب بالضرورة تكرار التحالفات السياسية نفسها، بل إعادة اكتشاف المبادئ التي حركت الحركة: التضامن الوطني، احترام التنوّع، والالتزام بدولة ذات سيادة وديمقراطية.

من هنا، يصبح المضي بعزم حازم نحو نزع سلاح حزب الله والفصائل الفلسطينية المسلّحة، وتفعيل القنوات الدبلوماسية لضمان انسحاب إسرائيل من لبنان واحترامها لسيادة البلاد ووحدته الإقليمية، أمرًا أساسيًا للحفاظ على الوحدة الوطنية واستقرار واستقلال لبنان.

الطريق إلى 14 آذار: خلفية ثورة الأرز 2005

لا يمكن فهم أحداث 14 آذار 2005 دون دراسة السياق التاريخي والسياسي الأوسع الذي سبقها. فلم تكن حدثًا مفاجئًا أو معزولًا، بل تتويجًا لسنوات من التوتّر السياسي، وتفاقم الإحباط من الهيمنة السورية على الشؤون اللبنانية، ونموّ حركة المطالبة بالسيادة التي امتدّت تدريجيًا عبر خطوط سياسية وطائفية متعدّدة. ومن هنا، تصبح العودة إلى الزخم الذي أدّى إلى هذا الحدث التاريخي أمرًا ضروريًا.

بدأ الوجود العسكري السوري في لبنان عام 1976، خلال المراحل المبكرة من الحرب اللبنانية (1975-1990)، عندما دخل كجزء من قوات الردع العربية بموافقة من جامعة الدول العربية. ومع مرور الوقت، أسّست سوريا حضورًا سياسيًا وأمنيًا واسع النطاق في لبنان.

بعد اتفاق الطائف في 22 تشرين الأوّل عام 1989، بقيت القوات السورية في لبنان بموافقة إقليمية ودولية. وعزّزت دمشق نفوذها تدريجيًا عبر الانتشار العسكري وجهاز استخبارات واسع يمارس سيطرة كبيرة على الحياة السياسية اللبنانية.

ورغم أنّ بعض اللبنانيين قبلوا في البداية بدور سوريا كـ "قوّة استقرار" بعد الحرب اللبنانية، إلّا أنّ الاستياء نما تدريجيًا من ما اعتبره كثيرون نوعًا من الوصاية السياسية التي قوّضت سيادة واستقلال لبنان.

من بين أبرز معالم هذه الحركة المتنامية من أجل السيادة، كان نداء المطارنة الموارنة التاريخي في 20 أيلول عام 2000، بقيادة البطريرك الكاردينال نصر الله بطرس صفير، الذي دعا إلى انسحاب الاحتلال العسكري السوري من لبنان وفق اتفاق الطائف وفي ظلّ الانسحاب الإسرائيلي الأحادي في ذلك العام نفسه.

وبالتوازي مع هذا التطوّر، بدأت مجموعات سياسية ومجتمع مدني بتنظيم مبادرات موجّهة نحو السيادة. ومن أبرزها لقاء قرنة شهوان الذي أُطلق في نيسان عام 2001 تحت رعاية البطريرك صفير، وجمع بين شخصيات سياسية مسيحية وناشطين مستقلين دافعوا عن الإصلاح الديمقراطي، انتخابات نزيهة، واستعادة السيادة اللبنانية. وكان للبُعدين السنّي والدرزي دور حاسم في هذه المبادرات، كما ظهر في اجتماع تحالف المعارضة اللبنانية في فندق لو بريستول (Le Bristol Hotel) في بيروت عام 2004، الذي شمل الحزب التقدّمي الاشتراكي وتيار المستقبل. وقد شكّلت هذه الحركات الأسس المبكرة لما أصبح لاحقًا حركة الاستقلال الأوسع في عام 2005.

تصاعدت الأحداث بشكل دراماتيكي في 14 شباط عام 2005، عندما اغتيل رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري في تفجير هائل بمنطقة ميناء الحصن في بيروت. وفي غضون ساعات، تجمّع قادة المعارضة في دارة الحريري واتّهموا الجهّات الموالية لسوريا بالوقوف وراء الهجوم، بينما ارتفعت الدعوات لإجراء تحقيق دولي ومساءلة سياسية.

وسرعان ما تحوّل الغضب الشعبي إلى احتجاجات واسعة. وبدأت التظاهرات بالانتشار في أنحاء البلاد، مكتسبة زخمًا طوال شباط (مع الإطلاق الرسمي لما سُمّي "انتفاضة الاستقلال") وأوائل آذار عام 2005. وسرعان ما توسّعت التظاهرات لتشمل كلّ المناطق مع تنسيق الأحزاب السياسية والمجموعات الطلابية ومنظّمات المجتمع المدني للاحتجاجات والتجمّعات والاعتصامات في ساحة الشهداء.

بلغت الحركة ذروتها بثورة الأرز في 14 آذار عام 2005، عندما اجتمع أكثر من مليون لبناني في الساحة نفسها في أكبر تظاهرة شهدها تاريخ لبنان الحديث، رافعين الأعلام اللبنانية والهتافات مثل "حرّية، سيادة، استقلال"، "لبنان أوّلًا"، و"الحقيقة" مطالبةً بالعدالة في اغتيال الحريري.

وكانت التبعات السياسية فورية وعميقة. فقد كان رئيس الوزراء السابق عمر كرامي قد استقال بالفعل في 28 شباط عام 2005 تحت ضغط الشارع، لكن المتظاهرين طالبوا بتغييرات أوسع تشمل إزالة المسؤولين الأمنيين الموالين لسوريا وانسحاب كامل للقوات السورية من لبنان.

تصاعد الضغط الدولي أيضًا، إذ دعا قرار مجلس الأمن الدولي 1559 (2004) إلى انسحاب القوات الأجنبية من لبنان واستعادة السيادة الكاملة للدولة اللبنانية.

وفي نهاية المطاف، أعلن الرئيس السوري بشار الأسد في أوائل آذار عام 2005 أنّ القوات السورية ستنسحب، وهو الذي اكتمل في 26 نيسان عام 2005، منهيًا ما يقارب ثلاثة عقود من الوجود العسكري السوري في لبنان، ومظهرًا كيف يمكن للوحدة الوطنية وتلاقي الإرادة المحلّية مع الإرادة الدولية أن تحقّق النتائج المرجوّة.

أخيرًا، يوفّر إرث 14 آذار اليوم تذكيرًا قويًا بأنّ قوّة لبنان تكمن في وحدة شعبه. فلا يمكن للبنان أن يستعيد الاستقرار ويشقّ طريقه نحو مستقبل أكثر ازدهارًا واستقلالية إلّا من خلال إعادة بناء توافق وطني واسع يشمل السيادة، الإصلاح المؤسّسي، واحترام جميع الطوائف والمجتمعات.