جويل غسطين

صحافيّون في الميدان: شغف لا تحدّه المخاطر

5 دقائق للقراءة

ليست الحرب الأولى التي يعيشها لبنان، والأحداث التي يجهد الإعلام المرئي والمسموع والمقروء في تغطيتها منذ مطلع هذا الشهر ليست غريبة عن المراسلين اللبنانيين الميدانيين ومندوبي وسائل الإعلام في المناطق. لكن لكلّ مهمّة صحافية تفاصيلها ومخاطرها ولحظاتها التي لا تنسى. فكيف يتعامل صحافيّو الميدان مع الحرب التي أُدخِل فيها لبنان، وهم بين النيران الإسرائيلية من جهة وحزب لا يوفر فرصة لخنق صوت معارضيه؟

تتحدث مراسلة قناة "mtv" رنين إدريس عن صعوبات كبيرة تواجهها في خلال التغطية الميدانية، أبرزها استحالة الوصول إلى مناطق مثل الضاحية الجنوبية لبيروت، وتقول إن دخولها للتغطية أمرٌ شبه مستحيل بسبب المخاطر الأمنية، سواء لناحية القصف الإسرائيلي أو الاعتبارات الأمنية الداخليّة حيث لا يُقبَل وجود صحافيين غير موالين لخطّ "حزب الله" السياسي.

"ظروف العمل نفسها قاسية"، تقول إدريس، "إذ نضطر أحيانًا للوقوف ساعات على أسطح مكشوفة في البرد أو تحت المطر، مع حدّ أدنى من التجهيزات". كما تكشف في حديثها مع "نداء الوطن" عن تعرّضها المتكرّر لمضايقات خلال عملها، منذ فترة "الثورة" (2019)، بسبب مواقفها السياسية من جهة وسياسة المؤسسة الإعلامية التي تعمل فيها من جهة ثانية.

خوف إدريس من التغطية الإعلاميّة في مناطق مفتوحة، يعود أيضًا إلى تجارب سابقة عالقة في ذاكرتها، مثل عملية "عناقيد الغضب" سنة 1996 و "مجزرة قانا"، إضافةً إلى صدمة استهداف فريق وكالة "رويترز" ومقتل صديقها المصوّر عصام عبدالله.

نسألها عن إجراءات الحماية المتاحة للصحافيين، فتجيب أنها إجراءات تبقى محدودة وتقتصر غالبًا على وضع الخوذة وارتداء الدرع الواقي والوقوف في نقاط تعتبر آمنة نسبيًا، مشيرةً إلى ضرورة تجنب الصحافيين التوجه فورًا إلى موقع الغارة خشية استهداف ثانٍ.


الخطر دائم

من جهته، يقول مراسل قناة "mtv" صبحي قبلاوي إن أبرز ما يواجهه كمراسل ميداني في زمن الحروب، هو غياب الشعور بالأمان، مشيرًا إلى أن خطأً بسيطًا قد يكون كفيلًا بتعريض حياة الصحافي للخطر. ويلفت إلى أنّ تجربته في العمل الصحافي في لبنان كشفت له عن تحدّ إضافي لا يجده في دول أخرى، يتمثل في صعوبة الوصول إلى بعض الأماكن الخاضعة لنفوذ "حزب الله"، ما يحدّ من قدرته على تغطية الوقائع مباشرةً في تلك المناطق. هنا يشير قبلاوي إلى أن قناعته تامة بالخط الإعلامي للمؤسسة التي يعمل فيها، ويؤكد إيمانه بهذا النهج الذي يرفع شعار "لبنان أولًا"، ما يمنحه دافعًا أكبر للعمل وحرية أوسع للتعبير.

لكن ماذا عن أنواع المضايقات التي يتعرّض لها خلال عمله؟ يستذكر قبلاوي في إجابته عن سؤال "نداء الوطن"، حادثة انقلاب شاحنة سلاح في الكحّالة، ويقول إنه كان من أوائل الصحافيين الذين أعلنوا أنها تابعة لـ "حزب الله"، الأمر الذي عرّضه لاحقًا لمضايقات واعتداءات.

وعن إجراءات السلامة التي يعتمدها خلال التغطيات الميدانية، يوضح قبلاوي أنه يحرص على الالتزام بالحد الأقصى من قواعد الأمان، وتجنب التهوّر أو الاقتراب من مناطق القصف المباشر، مع محاولة البقاء في مواقع تُعدّ أقلّ خطورة نسبيًّا وبعيدة عن الأهداف العسكرية. لكنه يلفت في الوقت نفسه إلى أن الخطر يبقى قائمًا دائمًا، لأن أي خطأ عسكريّ قد يؤدي إلى إصابة الصحافيين الموجودين في الميدان. هنا يعود بالذاكرة إلى حادثة شهدها مع زميله المصوّر في الجنوب، عندما تعرّضا للتطويق خلال إحدى التغطيات، كما يروي حادثة أخرى تعرّضا خلالها لقصف قريب أثناء وجودهما في تغطية ميدانيّة، حيث مرّ صاروخ فوقهما مباشرة في لحظة وثقتها الكاميرا.

نسأله عن كيفية تعامله مع التهديدات أو المشكلات التي قد يواجهها خلال عمله، فيجيب قبلاوي أنه يلجأ بدايةً إلى الأجهزة الأمنية اللبنانية والجيش، إضافة إلى التواصل مع بعض الجهات الفاعلة في المناطق التي يغطّي أحداثها.


عمل صعب

مراسلة قناة "الحدث - العربية" جوني فخري، تشير من جانبها إلى أن الفرق الصحافية تواجه صعوبات كبيرة أثناء تغطيتها النزاعات الحربيّة، لا سيّما في ظلّ غياب آليات حماية واضحة هذه المرّة من قِبَل الجيش اللبناني، بعكس ما كانت عليه الأمور خلال التغطية الصحافية لأحداث "حرب تموز" (2006)، حين كان الجيش يرافق الفرق الصحافية، ما ساهم آنذاك في تقليل مخاطر التنقل وتوفير تغطية أكثر أمانًا.

فخري تؤكد أن العمل الميداني أصبح اليوم أكثر صعوبة بالنسبة لها، نتيجة عدم حصولها على تصاريح للدخول إلى المناطق الخاضعة لسياسات "حزب الله"، إذ صار يُشترط الحصول على موافقة مسبّقة من "جهاز العلاقات الإعلامية" التابعة لـ "الحزب"، كما حصل في بعلبك بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار عام 2024، حين تعرّضت وزميلها المصوّر لاعتداءات متعددة الأشكال من قبل عناصر حزبيّة. وتكشف فخري عن شعورها المستمرّ بالخوف أثناء التغطيات خصوصًا خلال فترات الحرب، لكن للتقليل من المخاطر والقلق، تعتمد مراسلة "الحدث" على وضع الخوذة ومعدّات الحماية، إلى جانب إبلاغ فريق التحرير في القناة بالمنطقة المتوجهة إليها مع رقم هاتف بديل للتواصل في حالات الطوارئ، مؤكدةً ضرورة التواصل أولًا مع المؤسسة الإعلامية ثم مع الجيش اللبناني.

الصحافيّون الثلاثة وحّدهم الأسف على غياب أيّ دور فعّال لوزارة الإعلام أو النقابات المعنيّة لجهة التنظيم أو تخصيص مناطق آمنة للعمل الصحافي خلال الحروب أو الدعم أو التوجيه ومتابعة أحوال المراسلين، واقتصار الأمر على إصدار البيانات، في مقابل تولّي بعض المجموعات الصحافيّة المستقلّة المتابعة وتقديم التوجيهات والمعدات للصحافيين المستقلّين.  

وهكذا بالرغم من كلّ التحدّيات الأمنية والسياسية التي يواجهها الصحافيون في لبنان، يبقى حضورهم في الميدان زمن الحرب كما السِّلم، ضروريًّا لنقل الحقيقة من أرض الواقع، متحدّين الخطر ومتحمّلين أحيانًا انتقادات في غير محلّها يُطلقها "جمهور الكَنَبات" الحاملون أجهزتهم لرصد الهفوات ونشرها على مواقع التواصل.