عندما ذهب الرئيس المصري أنور السادات إلى اتفاقية سلام مع إسرائيل، لم يكن هو مهزومًا، ولم تكن هي قوة لا تُقهر. وقتها، انقشع شيء من ضباب الخطابات الإيديولوجية التي غلّفت سنوات الصراع بين مصر وإسرائيل، وظهرت حقيقة أبسط وأكثر صلابة: أن أيّ حرب وإن كانت شاملة لا تحرّر فلسطين، وأن الحروب تُرهق الجميع.
الحساب لا الحماسة
لم يكن السادات بطبيعة تكوينه، صاحب الكاريزما الثورية التي ميّزت سلفه جمال عبد الناصر، ولا كان خطيب الحشود القادر على إشعال ميادين مصر، لكنه قاد بلاده إلى نصرٍ استراتيجي. أثبت أن السياسة في لحظات فاصلة من التاريخ، لا تُقاسُ بقدرة القائد على تعبئة الجماهير، بقدر ما تُقاس بقدرته على قراءة الموازين والاقتراب من الممكن. ولذلك، رغم الأسطورة التي أحاطت بعبد الناصر في الوعي المصري والعربي، بدا أن خيار السادات كان أكثر نفعًا لمصر وشعبها ممّا انتهت إليه سياسات السلف جمال عبد الناصر الذي ألهب بخطابه مشاعر الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج.
السلام طريق الاستقرار
نجح السادات في أن يخرج بمصر من حالة حربٍ استمرّت 31 عامًا، واستعاد عبر مسارٍ من التفاوض، شبه جزيرة سيناء التي كانت قد خرجت من السيادة المصرية بعد نكسة عام 1967. لم يكن الأمر مجرد استعادة أرض، بل استعادة مساحة من القرار والاتجاه. وفي الوقت نفسه، أعاد توجيه موارد الدولة من الاستنزاف العسكري إلى أولويات الاقتصاد، فبدأت مرحلة جديدة قوامها البحث عن الاستقرار بدل إدارة الصراع المفتوح، وأُعيد فتح قناة السويس في مناخ مختلف سياسيًا واستراتيجيًا.
ربحُ وطن وخسارة آخر
القفزة العقلانية لدى أنور السادات، كانت في جوهرها انتقالًا من لامنطق خطاب التحشيد والتعبئة، إلى منطق الحسابات الباردة بعيدًا من الشعارات العابرة للحدود. وعند هذه النقطة، انتقلت مصر من اقتصاد الحرب واستنزاف الموارد، إلى اقتصاد دولة باحثة عن الاستقرار وإعادة بناء التوازن.
ربحت الدولة المصرية ما خسرته في الحروب، وخسر الرئيس ما لا يُعوّض؛ فكان السلام مكسبًا لمصر، وكان الاغتيال خسارة شخصية للسادات.
اغتيل أنور السادات عام 1981، لكنّ الإطار الذي أرساه عام 1979 عبر معاهدة السلام بقي فاعلًا، وكرّس فكرة الحلول المنفردة بدل المعالجات العربية الجماعية. وفي هذا السياق المتحوّل، جاء اتفاق 17 أيار 1983 في لبنان. اعتبره الرئيس اللبناني أمين الجميّل آنذاك منظمًا للعلاقة الأمنية بين لبنان وإسرائيل في ظلّ ميزان قوى جديد تشكّل بعد خروج مصر من دائرة الصراع. لم يكن الاتفاق اللبناني امتدادًا مباشرًا للاتفاقية المصرية ـ الإسرائيلية، لكنه كان تحرّكًا داخل المناخ السياسي الجديد الذي أطلقته الاتفاقية، حيث راجت مقاربة تقوم على التجزئة بدل التسوية دفعة واحدة. لكن في لبنان، بقي أمين الجميّل على قيد الحياة، واغتيل الاتفاق في انتفاضة 6 شباط 1984، ومن ثمّ البلد!
سقط اتفاق 17 أيار 1983 في انتفاضة 6 شباط 1984، وسقط معه ميزان الدولة، ثمّ بدا وكأن لبنان نفسه هو القتيل.
ففي الوقت الذي ربحت مصر السلام، وخسر السادات حياته؛ حيث كان الربح وطنًا، وكانت الخسارة رجلًا، كان الربح في لبنان رجلًا بقي على قيد الحياة، والخسارة وطنًا.
في الخلاصات الداخلية، امتلكت مصر دولة مركزية قادرة على فرض القرار، بينما بقي لبنان في حالة تفكّك سياسي وأمني. لكن يبدو أن الزمن، بعد 42 عامًا على 6 شباط 1984، قد أتمّ دورته الكاملة وعاد صاخبًا إلى نقطة البداية. فمن انقلب يومها، وبدّل وجه المعادلات، يجد نفسه اليوم أمام امتحانٍ لم يخطر له يومًا ببال: أن ينقلب بنفسه على الانقلاب نفسه.
(يتبع)