ريتا عازار

في بلد كثير الأدرينالين رأسٌ يحاول البقاء هادئًا

6 دقائق للقراءة

حسنًا، فلنسترح قليلًا ولنشرب كوبًا من الماء (إن كان الماء متوفرًا) مع حبّة دواء (إن كانت الصيدلية مفتوحة)، ولنتحدّث بجديّة عن هذه الظاهرة الوطنية الشهيرة، ألا وهي: الصداع في زمن الحرب.

فأنا عندما يصيبني الصداع، أستشير الجغرافيا السياسية، أقصد "الجيوبوليتيك". الصداع، من حيث المبدأ، أمر شائع. إنه تذكير بيولوجي بسيط، بأنني وأنكم، أرهقتم أنفسكم بالعمل، ونمتم نومًا متقطعًا، وشربتم كثيرًا، أو قليلًا، وفكّرتم كثيرًا، أو قليلًا. باختصار، أنتم من فصيلة "موسيو إنسان".

في لبنان، موطني، للصداع شهادة "دكتوراه في العلاقات الدولية". وأنا عندما يصيبني الصداع، ليس لأنني نسيت شرب قهوتي، بل لأن طائرة مسيّرة قررت القيام بجولة صوتية فوق منزلي، ولأن أحد الجيران صرخ بحماسةِ معلِّقٍ رياضيّ: "بلّشِت!"، ولأن هاتفي يهتز برسائل متناقضة مِن "ابقي في المنزل"، إلى "اخرجي فورًا"، أو "لا تذهبي، الطريق خطير"، أو حتى "اذهبي على أيّ حال، لكن ليس من هذا الطريق".

لا مفرّ إذًا من أن يتوتر الدماغ، ويقول لنفسه: "سنشدّ البراغي، سنحدّ من الضرر". ويشدّها أكثر من اللازم.

ما العمل؟

إذًا، عندما يصيبني الصداع، ماذا أفعل؟ يمكنني أن أتنفس بعمق: شهيق، زفير، شهيق، زفير. مع الزفير الثالث يذكّرني دويّ انفجار بعيد بأن للتنفس البطنيّ حدودًا. فلا يمكنني التأمّل جيّدًا عندما تهتز نافذة غرفة المعيشة كما لو أنها تلقت دروسًا في الغناء الأوبرالي. يقولون إن التنفس الواعي يهدّئ الجهاز العصبي. في حالتي، جهازي العصبيّ في الخدمة العسكرية منذ ثلاثين عامًا، أنهى تدريبه الأساسي واحتياطياته، ويبدو أنه رُقي إلى رتبة ضابط. أتنفس، نعم. لكن أتنفس ماذا؟ هواءً محمّلًا بالغبار والقلق والشائعات؟

الخطة البديلة

يمكنني شرب الكثير من الماء. لطالما سمعتُ بأن الصداع ناتج عن الجفاف. يا لها من نظرية رائعة! إلا إذا لم تصل المياه سوى لساعتَين في اليوم إن كانت المضخة تعمل والكهرباء متوفرة، وإن لم يكن الجار قد وصل جهازًا غامضًا يسحب كل المياه.

أشرب كوبًا من الماء وكأنني أوقّع معاهدة سلام، ببطء وتمعُّن. وأقول لنفسي: "ها قد أديت واجبي في سبيل ترطيب الجسم"، لكن رأسي لا يزال غير مقتنع، لم أكن أعرف أنه عنيد لهذه الدرجة.

 مسكّن للألم

آه، الحبّة! ذلك الوعد الصغير بالعودة إلى الحياة الطبيعية، أبتلعُها وأظن أن الحياة ستعود كما كانت، كإعلان تجاري لـ "Yaourt" بالمشمش أو الفراولة. لكن صداعي ليس من شأن الصيدلية، بل هو من شأن وزارة الدفاع.

تناوُل "الباراسيتامول" في مواجهة قصف، أشبه بإرسال رسالة نصيّة مهذبة إلى صاروخ، أناجيه فيها قائلة له: "سيدي العزيز، هل يمكنك تجنُّب المرور فوق بيتي اليوم؟ فأنا أعاني من صداع نصفي".

الحبّة تُجدي نفعًا، أحيانًا تُخفف الألم، تُوفر لي بعض الراحة من الواقع، لكن الواقع صاخب. صاخب جدًا.

سرّ النوم

النوم هو الحل الأمثل. "نامي، ستشعرين بتحسُّن غدًا". المشكلة أن الغد هنا مفهوم نظريّ، فرضيّة، إشاعة متفائلة.

أُغمض عينيّ، لكن خيالي يبقى متيقظًا، يهمس بسؤال واحد: ماذا لو حدث مكروه؟ لذا، لا أنام حقًا، بل آخذ غفوات قصيرة استراتيجية، كقائد منهك.

تجنب التوتر

تجنب التوتر... آه! يا لها من فكرة رائعة. حسنًا. أفتح النافذة، أنظر إلى السماء، وأقول: "من فضلك، هل يمكنكِ أخذ قسط من الراحة؟ لدي موعد مع هدوئي".

التوتر بالنسبة لي، لا يأتي في ثوبٍ أنيق، بل مصحوبًا بضجّة. له صفارات إنذار، وإشعارات، وتنبيهات. تجنب التوتر كتجنب الطقس. يمكنني تجاهل الغيوم، لكنها لا تزال تمطر.

في الحقيقة، صداعي صديق قديم. ربما عشت خمس سنوات من عمري أو أقل من دون حرب. خمس سنوات. أما بقية الوقت، فكانت الحرب حاضرة، أحيانًا صاخبة، وأحيانًا مكتومة، وأحيانًا بعيدة، وأحيانًا قريبة جدًا جدًا. صداعي ليس صدفة، إنه ذاكرة عضليّة، ذاكرة راسخة بين صدغيّ، يُثار بأقل توتر، يعرف الأصوات، يُميّز الاهتزازات، يستطيع التمييز بين عرض ألعاب نارية في حفل زفاف وأي شيء آخر. إنه خبير.

إنه صداعٌ مُتخصص في علم الصواريخ. ربما يجدر بالمحطات الإخبارية استضافة صداعي ليعرض الاستراتجيات. قد ينافس عددًا كبيرًا من الجنرالات المحالين على التقاعد!

عندما كنت طفلة، ظننت أن الجميع يعيشون هكذا، أن الناس في كل مكان على هذا الكوكب يستطيعون التمييز بين الطائرة المدنية والعسكرية بمجرد سماع صوتها، وأن الآباء والأمهات في كل مكان لديهم خطط بديلة للهروب في غضون عشر دقائق. إنما لاحقًا، اكتشفت أن الصداع في أماكن أخرى يأتي من الضرائب، وازدحام المرور، والأصهرة. أما هنا، فيأتي من السماء.


التذمُّر

يمكنني أن أتذمّر. لكن التذمُّر أيضًا يُسبّب الصداع، يمكنني أن أغضب، لكن الغضب يُغذي الصداع النصفي. لذا أفعل ما نفعله جميعًا هنا، ألا وهو المزح. الفكاهة هي درعنا الواقي، عندما تنفجر الأمور، نُطلق نكتة، لا تحمينا من الانفجارات، لكنها تحمينا من الجنون. عندما يُصيبني الصداع، أقول: "هذا طبيعي، عقلي يُمارس تمارين الضغط". عندما أرتجف، أقول: "إنه تجديد مجاني". عندما يسألني أحدهم عن حالي، أُجيب: "مستقرّة، مثل المنطق".

أضحك. أضحك بصوت عالٍ، أضحك لمدّة أطول من اللازم، لأنني لو توقفت لسمعت شيئًا آخر. لكن لا تزال هناك بعض الأشياء الملموسة، نعم، رغم كل شيء. حتى في هذا المسرح العبثي. أستطيع الشرب متى استطعت، النوم متى أمكن، إيقاف الأخبار من حين لآخر أو التحدّث لأقول بأنني اكتفيت، والخروج في نزهة عندما يكون الجو هادئًا.

دليل على الحياة

أحيانًا أفكّر بأن لو لم يكن لديّ صداع لكان ذلك مقلقًا! هذا سيعني أنني اعتدت عليه، وأن الانفجارات أصبحت ضجيجًا في الخلفية، وأن غير الطبيعي أصبح مألوفًا.

ربما يكون صداعي بمثابة رفض. إنه يحتجّ بطريقته الخاصة. ثم هناك الأمل رغم كل شيء. أجل، أعلم، الكلمة أصبحت مبتذلة بعض الشيء. لقد تكرّرت كثيرًا في الخطابات الرسمية، لكن الأمل هنا ليس إعلانًا عظيمًا. إنه شيء بسيط، فنجان قهوة أتشاركه مع أحبّة في لحظة هدوء، إنه طفل يلهو رغم كل شيء. هو حاضر في مزحة تُقال في غير وقتها، وبالتالي في وقتها المناسب. إنه صديق يسأل: "هل أنتِ بخير؟".

عندما يصيبني الصداع، أذكّر نفسي بأن ذلك حصل لأنني هنا. ما زلت هنا، رغم كل شيء.

بلد يعمل بالأدرينالين

ربما المشكلة ليست في صداعي أصلًا. ربما المشكلة أن جسدي تعلّم أن يعمل على الأدرينالين كما يعمل الآخرون على القهوة الصباحية. رشفة توتر، قليل من الضجيج في السماء، إشعار عاجل هنا وهناك، وفجأة يصبح الدماغ يقظًا بكفاءة مدهشة، كموظف مجتهد في قسم الطوارئ الكونية. المفارقة أن الأدرينالين صُمّم للحظات استثنائية، أما هنا فقد تحوّل إلى نظام معيشة دائم، كأنه اشتراك شهريّ حيويّ بموتور كهرباء لا يمكن إلغاؤه. لذا عندما يهدأ كلّ شيء فجأة، ولا تمرّ طائرة ولا تهتز نافذة، أشعر بارتباك خفيف… كأن جسدي ينظر حوله ويسأل بجديّة مهنية عن سبب اختفاء حالة الطوارئ اليوم.

يبدو أن بعض البلدان، مثل بعض الناس، يعيش بقلب يخفق أسرع من اللازم، ليس شجاعةً بالضرورة، بل لأن الهدوء هنا يبدو دائمًا كأنه استراحة قصيرة بين معركتَين.