الدكتور سايد حرقص

14 آذار: الثورة التي اغتالها الخوف والمصالح

4 دقائق للقراءة

في ذكرى 14 آذار، لا يجد كثيرون من ناشطي تلك المرحلة توصيفاً أدقّ لواقعها اليوم سوى استعارات درامية: "ثورةٌ شهيدة التحقت بشهدائها". لكن خلف هذه الصور الوجدانية تكمن حقيقة سياسية أكثر تعقيداً؛ فما جرى لم يكن موتاً مفاجئاً، بقدر ما كان مساراً طويلاً من التآكل الداخلي، حيث اغتالت المصالح الضيقة ثورةً صنعتها إرادة الناس.

في 14 آذار 2005، نزل مئات الآلاف إلى ساحة الشهداء مطالبين بالسيادة والاستقلال، ورافضين منطق الاغتيال والابتزاز السياسي الذي أعقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري. كان المشهد يومها تعبيراً عن إرادة وطنية جامعة: رفض العودة إلى الحرب الأهلية، الدفاع عن العيش المشترك، وإنهاء الاحتلال السوري تحت شعار واضح: "لبنان أولاً". هذه المبادئ هي التي صنعت روح 14 آذار، لا التحالفات السياسية التي تشكّلت لاحقاً باسمها.

غير أن الفجوة سرعان ما اتسعت بين أحلام الناس وحسابات القادة. فبينما كان الشارع يحمل مشروع دولة وسيادة، انشغل بعض القادة بحسابات السلطة والانتخابات وتوازنات المصالح. ومع مرور الوقت، دخلت الحركة في سلسلة من التسويات السياسية التي بدت غريبة عن طموحات جمهورها. خيارات مثل التسويات مع حزب الله، والانفتاح على النظام السوري لاحقاً، إضافة إلى تناقضات صارخة في التحالفات الانتخابية وصراعات على النفوذ والمكاسب، كلها ساهمت في تفكيك "روح الثورة" التي فجّرت حلم 14 آذار.

لم يكن الانهيار نتيجة أخطاء تكتيكية عابرة، بل حصيلة مسار طويل من الأخطاء الفادحة والضغوط العنيفة.

شكّلت سلسلة الاغتيالات السياسية التي استهدفت سياسيين ومفكرين وصحافيين محاولةً ممنهجة لضرب المشروع السيادي وإرهاب جمهوره. وقد ترافقت هذه الاغتيالات مع حرب تموز 2006، ثم توجه السلاح غير الشرعي الى صدور اللبنانيين، حيث بلغ الأمر ذروته في اجتياح بيروت عام 2008، الأمر الذي أدّى إلى فرض واقع سياسي جديد بقوة الأمر الواقع.

وفي هذا السياق، تحوّل سلاح حزب الله إلى أداة ضغط سياسية- عسكرية حاسمة عطّلت استكمال المشروع السياسي الذي عبّر عنه جمهور 14 آذار، وأسهمت تدريجياً في ترسيخ معادلة جديدة مهّدت لقيام شكلٍ من أشكال الاحتلال الإيراني المقنّع للبنان.

ومع مرور الوقت، تحوّل الحلم الوطني تدريجياً إلى صراع على الحصص داخل نظام هش ومنهار، فعادت المحاصصة الطائفية بوجه أشد قبحاً مما كانت عليه في زمن الاحتلال السوري.

يرى بعض الناشطين أن الحركة "نسفت نفسها بنفسها" حين تحوّلت من قضية وطنية جامعة إلى قضية مصالح ضيقة وخوف وتنازلات وكراسي وسلطة. وكان يمكن لها، حتى بعد تراجعها السياسي، أن تتحول إلى إطار فكري جامع يحفظ إرثها، لكن بعض قادتها فضّلوا إدارة المصالح الآنية على بناء مؤسسة سياسية طويلة الأمد.

ومع ذلك، فإن نهاية التنظيم السياسي لا تعني نهاية الحلم. فما تبقى من 14 آذار ليس الأحزاب والمجموعات السياسية، بل الناس الذين نزلوا إلى الشارع يومها مؤمنين بلبنان السيد الحر. بعضهم هاجر بعدما فقد الأمل، وآخرون مازالوا يناضلون بالرغم من أن الخيبة كانت أكبر من الكلام.

ولعل تجربة 14 آذار تلخّصها مقولة جبران خليل جبران:"لا تعش نصف حياة، ولا تقف في منتصف الحقيقة." فالثورات التي تتوقف في منتصف الطريق تتحول إلى نصف انتصار، ونصف الانتصار غالباً ما يكون هزيمة مؤجلة.

لقد نجح اللبنانيون عام 2005 في إسقاط الاحتلال السوري، لكنه كان إنجازاً ناقصاً. فعدم استكمال المسار بإصلاح بنية النظام ومواجهة السلاح الخارج عن الدولة فتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاغتيالات والهيمنة السياسية. وهكذا تحولت الثورة التي وُلدت من رحم حلم وطني كبير إلى تجربة سياسية سقطت قبل أن تحقق أهدافها.

اليوم، بعد نحو عقدين، يبدو السؤال الحقيقي ليس: ماذا بقي من 14 آذار؟ بل: ماذا تعلّم اللبنانيون من تجربتها؟

فالتاريخ لا يكرر نفسه بالطريقة ذاتها، لكنه يعيد طرح الأسئلة نفسها: هل يمكن بناء دولة من دون سيادة كاملة؟ وهل يمكن لأي ثورة أن تنجح إذا تحولت سريعاً إلى تحالف مصالح؟

ربما انتهى التنظيم السياسي الذي حمل اسم 14 آذار، لكن الفكرة التي وُلدت يومها لبناء لبنان الحر السيد المستقل ما زالت تنتظر من يكمل الطريق الذي توقف في منتصفه.