سامر زريق

استراتيجية الدولة: التنازلات أم الخسائر المفجعة؟

4 دقائق للقراءة

تواصل السلطة السياسية جهدها المحموم لفتح نافذة تتيح الجلوس إلى طاولة التفاوض على الرغم من المناخات والتسريبات السلبية حول إقفال كل المنافذ الدولية أمام المبادرة التي كان أطلقها رئيس الجمهورية، وحاول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رفدها باتصالات ومجموعة من الأفكار التي لم تنضج بعد.


عمليًا، انتقلت الدولة من استراتيجية الانتظار المرتكز على العمل بإيقاعات بطيئة ريثما تتضح صورة التحولات في المنطقة، إلى استراتيجية تبتغي من خلالها تثبيت وجودها كفاعل أساسي ومركزي. يدرك الحكم في لبنان حراجة موقفه على الصعيد الدولي، والأميركي خاصة، بعدما أقدمت ميليشيا "حزب الله" على توريط لبنان في الصراع الدائر في المنطقة لإسناد نظام الملالي في محنته. لذلك كان لزامًا تقديم تنازلات جوهرية لمحاولة الحد من الخسائر وتثبيت الوقائع الناشئة على الأرض، بدءًا من التفاوض المباشر مع إسرائيل، وصولًا إلى إمكانية اتفاق ترتيبات أمنية، وربما أكثر.


وعلى الرغم من الضغوط السلبية الهائلة التي يمارسها "حزب الله" عبر عدة مسارات متوازية لإفشال مساعي الدولة والقبض على زمام الأمور، إلا أن رئيس الجمهورية يبذل جهودًا مضنية، ويستخدم كل ما لديه من أوراق ضغط لتجاوز الاعتراضات الداخلية، والمواقف الرمادية لبعض الأطراف، وإعداد وفد لبناني للتفاوض يعبر عن التوازنات الطائفية والمذهبية الداخلية، بالتنسيق مع رئيس الحكومة.


تنطلق الدولة في موقفها من أن تقديم تنازلات قد تبدو شديدة الحساسية هو شرط شارط لمفاوضات يمكن من خلالها تجنيب لبنان المزيد من الخسائر المفجعة جغرافيًا وديموغرافيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، مع تحول ربع الشعب تقريبًا إلى نازحين، ولا سيما بعدما أحيطت دوائر القرار علمًا بالمخططات الإسرائيلية للدخول البري، الذي بدأ بالفعل، وإنشاء منطقة عازلة ربما تتجاوز نهر الليطاني. وبينما تستحضر في النقاشات المثارة ذكريات الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وتوقيع الاتفاقية التي عرفت بـ "17 أيار"، فإن المسعى الأساسي الذي يقوده رئيس الجمهورية هو لعدم تكرار هذا السيناريو، ومحاولة إبرام تسوية قبل قضم إسرائيل المزيد من الأراضي بما يجعل الموقف اللبناني أكثر هشاشة وضعفًا.


وبالتالي، تبدو السلطة في لبنان وكأنها تسعى إلى تبني نفس المسار الذي اتبعته دمشق، حيث استطاعت الأخيرة من خلال المفاوضات مع إسرائيل الحد من سياساتها التوسعية في الجغرافيا السورية إلى حد كبير، إلى جانب تثبيت الواقع الناشئ، والعمل على تغييره عبر الجولات التفاوضية التي أفسحت المجال أمام سوريا لتعزيز موقفها السياسي على الصعيدين الإقليمي والدولي.

غير أن العامل الأهم في نجاح المعادلة السورية يكمن في الموقف الأميركي الداعم لدمشق، وهذا ما تفتقر إليه الدولة اللبنانية. ولذلك كان لا بد من تقديم تنازلات تحدث ثغرة في جدار الموقف الأميركي المتصلب إزاء لبنان، ولا سيما أن هذه التنازلات كانت محور الوساطة الأميركية منذ إبرام اتفاق وقف إطلاق النار، أكان عبر مورغان أورتاغوس التي طالبت بتشكيل لجان مشتركة، أم عبر توم برّاك الذي طالب في جولاته على المسؤوليين بجلوس لبنان وإسرائيل إلى طاولة التفاوض لحل مشاكلهما.


وبينما تبدو السلطة في سباق مع الوقت، ذلك أنه كلما سيطرت إسرائيل على المزيد من المناطق كلما ضعف الموقف التفاوضي اللبناني أكثر، فإن ثمة معضلة جوهرية تجبهها تتجسد في السياسات التخريبية التي ينتهجها "حزب الله"، وتلويحه بافتعال أزمات داخلية. تبدأ من التهديد باحتلال العاصمة بيروت عبر بنيته الميليشياوية العسكرية وفرض أمر واقع، وتمر بالضغط على الحكومة والعمل على إسقاطها، وتصل إلى العبث بالسلم الأهلي عبر توترات واشتباكات مذهبية نرى نماذج مصغرة عنها يوميًا. يدرك "الحزب" أنه يواجه تهديدًا وجوديًا، لذلك يرمي بمخزونه من الأوراق التخريبية وفق قاعدة إما كل شيء، ومهما كانت الأثمان، وإما لا شيء. الأمر الذي يتطلب معالجات دقيقة من أهل الحكم لاحتواء صواعق التفجير التي يرميها "الحزب" تباعًا.


بالتوازي مع إظهار الإرادة السياسية اللازمة لتثبيت حضور الدولة ومؤسساتها، كما هي الحال مع الزيارة التي أجراها الرئيس جوزاف عون إلى اليرزة لتثبيت ارتباط الجيش بالسلطة السياسية، والتأكيد على دوره كصمام أمان وطني، وأنه لا يمكن أن يكون في خدمة مصالح وأهداف فريق سياسي كما حاولت دعاية "الحزب" الترويج. برزت  أهمية التنسيق بين بيروت ودمشق، والمواقف التي أطلقها الرئيس السوري أحمد الشرع لدعم قرارات الدولة اللبنانية ومشروعيتها الدستورية والمؤسساتية، ودورهما في تفكيك بعض التهديدات التي كان "حزب الله" يعمل على إثارتها والتلطي خلفها، مشفوعة ببث نعرات مذهبية وطائفية وسيادية لإرباك السلطة.