يوم الأحد الواقع فيه الثامن من آذار 2026، اجتمع "مجلس خبراء القيادة" الإيراني واختار مجتبى خامنئي، مرشدًا جديدًا للبلاد. جاء هذا الاختيار في مرحلة دقيقة وخطرة على إيران والمنطقة. إنها فترة الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضدّ إيران وردود طهران عليها عسكريًا وسياسيًا وعقائديًا من خلال اختيار خط التشدّد الأيديولوجي باختيار الملّا مجتبى، وهو اختيار يمكن القول إنه بمثابة تحدّ لأعداء إيران في المنطقة والعالم.
التعريف بالقيادة الجديدة لإيران
جرى اختيار مجتبى خليفة لوالده علي خامنئي مرشدًا جديدًا لإيران. والمرشد الجديد هو من مواليد الثامن من أيلول 1969. التحق بالحوزة العلمية في قم عام 1999 لإكمال دراساته الدينيّة حيث تلقى دروسه على يد محافظين دينيين وصار يحمل اللقب الديني "حجّة الإسلام". في شبابه شارك في الحرب العراقية - الإيرانية والتي استمرّت ثماني سنوات، وتزوّج من السيدة زهرة الإبنة الثانية لرئيس البرلمان الإيراني الأسبق غلام علي حداد عادل.
في تشرين الثاني عام 2019، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات عليه وعلى ثمانية أشخاص آخرين مرتبطين بوالده. طوال فترة شبابه كان مجتبى بمثابة السكرتير الأوّل لوالده في مختلف القضايا وداخل المؤسسات الأمنيّة والعسكريّة. ومع أنه لم يعيّن في منصب رسمي، فقد كان يتعاطى ويعالج مختلف المشكلات التي تعترض سلطة والده حتى أصبح مرجعًا له دوره ورأيه في القضايا المطروحة. لقد أصبح في عهد أبيه الشخصيّة السياسيّة البارزة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
ولقد برز ذلك بوضوح لدى اغتيال والده في أوّل يوم من الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضدّ إيران في 28 شباط، وذكر آنذاك أن مجتبى كان في جملة المجتمعين مع والده عندما وقع تفجير الاغتيال وأنه أصيب في جملة المصابين. على أنه لم يتوضح بالضبط حتى الآن نوع الإصابة وحجمها ومدى خطورتها، وجرت أحاديث مختلفة حول هذا الموضوع ولا يمكن الركون لأي منها.
لكن الأكيد الذي أثبتته الأحداث أن مجتبى قد أصيب إصابة غير قاتلة ولكنها مؤذية. وقد أحيط بعناية طبّية، وجاء في أحد الأنباء أنه نقل بطائرة عسكرية روسية إلى موسكو للمعالجة بمبادرة من الرئيس فلاديمير بوتين. وكان الرئيس الروسي من أوائل رؤساء العالم الذين بادروا بإعلان "دعم راسخ" لمجتبى خامنئي غداة اختياره مرشدًا أعلى لإيران والإعراب عن تضامنه مع "أصدقائنا الإيرانيين". ذلك أن "روسيا كانت دائمًا وستبقى شريكًا لإيران يمكن الاعتماد عليه، خصوصًا أن إيران تواجه عدوانًا عسكريًا"، على حدّ تعبير بوتين.
ما هي دلالات اختيار مجتبى مرشدًا؟
يجمع الدّارسون لأوضاع إيران خصوصًا، وأوضاع المنطقة عمومًا، بأن اختيار مجتبى مرشدًا لإيران فيه الكثير من الدلالات الجيوسياسية. نذكر منها:
- المسارعة إلى ترتيب أوضاع إيران في ظل الحرب القائمة ضدّها من ثنائي أميركا وإسرائيل، ومثل هذا الاختيار وبهذه السرعة والحسم يؤكّد أمام العالم الخارجي وللكيان الداخلي أن إيران ليست لقمة سائغة لتنهار لدى أوّل امتحان تواجهه عسكريًا كان أم سياسيًا. وأن لديها من الرجال من يعتمد عليهم لمواجهة التحدّيات، ومن هؤلاء، بل في مقدّم هؤلاء السيّد مجتبى خامنئي.
- التأكيد لقوى الخارج، ولا سيما أميركا وإسرائيل، بأن السلطة في إيران ليست سلطة متماسكة فقط، بل هي سلطة مواجهة وذات منهج متشدّد وترفض تقديم أي تنازلات تطلبها واشنطن أو تل أبيب، سواء في الأمور العسكرية الاستراتيجية المتصلة ببرنامجها النووي أم بمشروع الصواريخ أم برعايتها مجموعة فروع سياسية وعسكرية في منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما "حزب الله" في لبنان.
- إعطاء الدليل الفوري على أن اختيار مجتبى دون غيره من الأسماء المطروحة، يبيّن أن مراكز النفوذ الكبرى داخل النظام الإيراني، ولا سيّما المؤسّسات الأمنية والعسكرية، وفي مقدّمها "الحرس الثوري"، تمسك بقرار السلم والحرب ولديها الإصرار على مواجهة كافة القوى المواجهة لإيران. وأن السيّد مجتبى يمثل هذه النزعة المتشدّدة للمواجهة وليس للاستسلام. ومثل هذا الشعور كان سببًا أساسيًا في اختيار مجتبى لخلافة والده، على الرغم مِمّا كان يحيط به من مخاطر صحّية نتيجة الاستهداف الذي تعرّض له والده وأدّى إلى وفاته. ومع ذلك، اجتمع "مجلس خبراء القيادة" وأعلن تعيين رجل الدّين مجتبى حسيني خامنئي مرشدًا جديدًا للثورة الإسلامية وثالثًا للجمهورية الإسلامية الإيرانية.
- ومن الدلالات المباشرة على اختيار مجتبى مرشدًا، أهمية ودور وفعاليّة "الحرس الثوري" في إدارة الأوضاع داخل إيران وفي رأس هذا النفوذ المتعاظم المؤسّسة العسكرية، حيث كانت لمجتبى علاقات وثيقة بـ "الحرس" تمنحه نفوذًا إضافيًا في كافة أجهزة الدولة.
ما هي النتائج المتوقعة لهذه الحرب؟
من الصعب بل من المستحيل تصوّر النتائج التي ستسفر عنها هذه القفزة الإيرانية في خط التشدّد والمواجهة: اختيار مجتبى خليفة لوالده، بما يعني فعليًا وعمليًا على الصعيد الاستراتيجي ما خلاصته أن إيران لن تتراجع أبدًا عن محدّدات الثورة الإيرانية بقيادة رائدها الإمام الخميني، وإذا كان لنا أن نختصر بوضوح قاعدة هذه المحدّدات منذ عودة الخميني من باريس في شباط 1979 لاستلام السلطة في طهران، يومها كان العالم يتابع الطائرة التي حملته من مطار باريس إلى مطار مهر آباد في طهران، ولدى نزوله إلى الأرض سارع الصحافيون إلى سؤاله: ما هو الهدف الذي ستعمل له الثورة الآن بعد انتصارها الداخلي؟ أجاب الإمام الخميني بجملة وحيدة مختصرة ولكنها تحمل الكثير من الأبعاد: "هدفنا هو محو إسرائيل عن خريطة العالم". كان جواب الخميني أشبه بقنبلة صدمت الكثيرين. ولذا سارع الصحافيون ووكالات الإعلام إلى الاتصال بالمسؤولين الإسرائيليين وإبلاغهم الموقف - الإنذار للأمام الخميني.
وكان جواب رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك مناحيم بيغن الفوري بمثابة قنبلة مواجهة، إذ قال: "قبل أن يشرع الخميني في محو إسرائيل عن خريطة العالم، نكون قد جعلنا إيران نتفًا مبعثرة في زوايا العالم الأربع"، أي أنه سيضرب كل مراكز الحضارة في إيران ومدنها بالقنابل النووية!
ما يحصل الآن بين إسرائيل وإيران هو استمرار لخط التحدّي التاريخي بين البلدين. إنه صورة حيّة للحروب المصيرية... وتلك هي نتيجة النتائج المأسوية الكبرى!