في مدينة صيدا، حيث تتقاطع وجوه النزوح مع قلق الانتظار، لم تتوقف المبادرات الفردية والجماعية، متكئةً على الجهود الرسمية والبلدية، في محاولة لاحتواء موجات النزوح المتزايدة، مع تكرار الإنذارات الإسرائيلية بالإخلاء من جنوب الليطاني وصولًا إلى الزهراني.
وبين ثقل المشهد وقسوته، برزت محاولات إنسانية خجولة في حجمها، كبيرة في أثرها، تسعى إلى التخفيف من وطأة ألم النزوح، وإعادة شيء من الفرح، خصوصًا إلى قلوب الأطفال.
وعشية عيد الفطر، بدا العيد مختلفًا هذا العام داخل مراكز الإيواء؛ غابت تفاصيله الصغيرة التي تصنع بهجته، وحلّت مكانها مشاعر مختلطة من الخوف والترقب. غير أن مبادرتين لافتتين نجحتا في اختراق هذا المشهد القاسي، لتمنحا النازحين، ولو موقتًا، فسحةً من الدفء الإنساني:
المبادرة الأولى حملت طابعًا جماعيًا، حيث نظم طلاب الصف الحادي عشر في ثانوية الحاج بهاء الدين الحريري، بالتعاون مع "تيار المستقبل" - منسقية صيدا والجنوب، إفطارًا رمضانيًا داخل مركز ثانوية المربية ثريا فارس أبو علفا الرسمية للبنات (مرجان).
هناك، تحوّلت باحة المدرسة إلى مائدة واحدة جمعت نحو 500 شخص من النازحين والطلاب والمتطوعين، في مشهد اختصر معنى التضامن الحقيقي. لم يكن الإفطار مجرد وجبة تُكسر بها ساعات الصيام، بل مساحة لقاء إنساني أعادت ترميم شيء من الشعور الجماعي الذي بعثره النزوح.
ولم تتوقف هذه المبادرة عند حدود الطعام، بل امتدت إلى قلوب الأطفال، عبر توزيع الهدايا عليهم، في محاولة لزرع ابتسامة تتحدى واقعًا يضيق بهم، وتمنحهم ملامح عيد طال انتظاره.
ونوّه منسّق التيار، مازن حشيشو، بهذه المبادرة، مؤكدًا أهمية الوقوف إلى جانب الأهالي في هذه المرحلة الدقيقة، معتبرًا أن هذه المبادرات تساهم في التخفيف من معاناة النزوح، وتعزز روح التضامن في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد.
مقص للفرح
أما المبادرة الثانية، التي نُظمت بالتنسيق مع "تيار المستقبل" – منسقية صيدا والجنوب، فجاءت أكثر بساطة في شكلها، لكنها عميقة في دلالتها؛ إذ حملت مصففة الشعر إيمان أبو خضرا أدواتها، وتوجهت إلى مركز الإيواء نفسه، لتمنح الفتيات النازحات لحظات تشبه العيد.
هناك، تحوّل المقص إلى أداة فرح، لا مجرد وسيلة تجميل. جلست الفتيات بانتظار دورهن، وعلى وجوههن ملامح ترقب ممزوجة بشيء من الحنين، ومع كل خصلة شعر تُقصّ، كانت ترتسم ابتسامة جديدة، كأنهن يستعدن جزءًا من حياة سُرقت منهن على عجل.
هذه اللفتة البسيطة لم تكن مجرد عناية بالمظهر، بل مساحة اهتمام افتقدتها الفتيات في خضم النزوح، ورسالة غير مباشرة بأنهن ما زلن يستحققن الفرح، مهما اشتدت الظروف.
وقد عبّر الأهالي عن امتنانهم لهذه المبادرات، التي أعادت إلى نفوس أطفالهم بعض الطمأنينة، ولو لوقت قصير، مؤكدين أن مثل هذه الخطوات تحمل قيمة معنوية تفوق حجمها بكثير.
وأثنى رئيس بلدية صيدا، مصطفى حجازي، على هذه المبادرات، معتبرًا أنها تعكس الوجه الحقيقي لمدينة صيدا، التي تفتح أبوابها لآلاف النازحين، وتؤكد دورها الوطني والإنساني، مشددًا على استمرار دعم البلدية للأهالي حتى عودتهم إلى منازلهم.
في زمن تفرض فيه الحرب إيقاعها القاسي، تبدو هذه المبادرات كرسائل أمل صغيرة، تُضيء العتمة من أطرافها، وتؤكد أن للفرح مكانًا، حتى في أكثر اللحظات قسوة. ومع اقتراب العيد، يكبر الرجاء بأن تنتهي هذه الرحلة الثقيلة، ليعود الأطفال إلى حياتهم الطبيعية، حيث يكون العيد كما يجب أن يكون… فرحًا كاملًا، لا يُنقِصه نزوح ولا تُعكّره حرب.