ليس أخطر من المشهد المتفجّر أمامنا ومن حولنا سوى ما وراء المشهد من خطط وحسابات باردة. فلا حرب إیران الأميركية – الإسرائيلية هي مجرّد تدمير وتبادل قصف بالطائرات والصواريخ والمسيّرات. ولا الحرب المرتبطة بها عبر لبنان بين "حزب اللّه" وإسرائيل هي خارج الصراع على إعادة تشكيل الشرق الأوسط. وإذا كان لبنان أوّل من يدفع كالعادة ثمن صراعات الآخرين، فإن المفاجأة هي مسارعة طهران إلى إدخال دول الخليج والأردن في جحيم الحرب. والواقع أن لبنان صار بقوّة عاملين مختصر الصراعات وتبادل الرسائل وتصفية الحسابات الإقليمية والدولية في "ساحة" مفتوحة بلا سياج. أوّلهما خروج الدول العربية من الخيار العسكري إلى "السلام كخيار استراتيجي" لتسوية الصراع العربي- الإسرائيلي. وثانيهما دخول الجمهورية الإسلامية في إيران إلى ساحة الصراع عبر الإمساك بالورقة الفلسطينية وتأسيس فصائل مذهبية أيديولوجية مسلّحة ضمن شعار "إزالة إسرائيل" وإخراج "الشيطان الأكبر" من غرب آسیا.
والسؤال وسط إعلان "حزب اللّه" أن "الحرب مفتوحة والكلمة للميدان" هو: لمن الكلمة في الميدان؟ في "حرب الإسناد" لغزة بدت الكلمة لإسرائيل التي ضربت "الحزب" بشدّة. وفي حرب إسناد إيران تبدو الكلمة لإسرائيل وإيران وعمليًا لأميركا. أمّا الدولة، فإنها على الهامش في المواجهة بين المقاومة الإسلامية وإسرائيل. مواجهة لا وقت عند طرفيها لحديث وقف النار. إسرائيل تحتلّ وتقصف في كلّ مكان وتهجّر نحو مليون شخص وتهدّد الدولة وترفض هي وأميركا الكلام معها حول مبادرة الرئيس جوزاف عون لوقف الحرب وبدء التفاوض قبل أن ينفذ الجيش سحب السلاح من "حزب اللّه". وشراكة إیران و "الحزب" في إدارة العمليات مقابل الشراكة الأميركية – الإسرائيلية مشغولة بالقصف تحت عنوان "العصف المأكول" والرفض الحادّ لسحب السلاح والهدنة، وتهديد الدولة والمجتمع بحرب أهليّة.
أمّا الدور المتروك للدولة، فإنه نوع من "کاريتاس": المساعدة وتأمين أماكن لإقامة المهجّرين الذين أجبرتهم إسرائيل على ترك بيوتهم وقراهم بعد معاودة "الحزب" قصف إسرائيل دفاعًًا عن إيران. وأمّا قرار مجلس الوزراء حظر النشاطات العسكرية والأمنية لـ "الحزب" واعتبارها خارجة عن القانون، فإن الردّ عليه كان الانخراط الكامل مع ضباط الحرس الثوري في إدارة العمليات العسكرية. ولم يحدث تردّد في قصف إسرائيل، مع معرفة أن نتنياهو يريد "إكمال المهمة" وينتظر الوقت الملائم له والذي قدّمه أصحاب السلاح.
وليس خارج المألوف أن يراهن "الحزب" على "نصر إلهيّ" وهزيمة أميركا وإسرائيل أمام إيران لأن الرهان تكرّر مرارًا في هزائم واضحة، ولا سيّما في حرب الـ 12يومًا على إيران وحرب الـ 66 يومًا في أواخر "حرب الإسناد" لغزة. لكن خارج القراءة في الواقع تكرار الدعوة إلى "لبننة" فصيل مرتبط بإيران أعاد تأكيد المؤكد، وهو أنه لواء ضمن الحرس الثوري.
وإذا كان من واجب الدولة واللبنانيين وحقهم المطالبة بالانسحاب الإسرائيلي والعمل لتحقيقه، فإن الانسحاب الضروري للسيادة ليس بوليصة ضمان لسحب السلاح غير الشرعي. فسلاح "حزب اللّه" الذي قاوم الاحتلال لا تقتصر مهمته على مواجهة المحتلّ. وهو ضاعف قوّته وتسلّحه بعد الانسحاب الإسرائيلي في الجنوب عام 2000 وخاض ثلاث حروب مع إسرائيل بعد الانسحاب، حتى الدفاع عن الجمهورية الإسلامية، وهو أساس دور "الحزب"، فإن دورًا آخر يتفرّع منه داخل لبنان وتركيبته والحصص فيه والتحكّم به إلى أن تدق ساعة القدرة على الحكم. و "ما أكثر العبر وأقلّ الاعتبار" كما قال الإمام علي، الذي اعتبر أن "أشقى الرعاة من شقيت به رعيته".