إذا كانت "حرب النجوم" قد بدأت يومًا كفيلم خيال علمي هوليوودي، فإن ما شهدته المنطقة في الحرب الأخيرة بين أميركا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، جعل هذا الخيال يبدو أقرب إلى الواقع. فالحرب، حتى الآن، تُخاض في السماء قبل أي مكان آخر.
الطائرات الحربية الأميركية والإسرائيلية، والصواريخ بعيدة المدى، والمسيّرات المتطورة، تواجهها إيران بترسانة مختلفة تقوم أساسًا على الصواريخ الباليستية التي بعثرتها في اتجاه دول المنطقة والقواعد العسكرية، إضافة إلى سلاح بات اسمه يتردّد بكثرة في هذه الحرب: مسيّرات "شاهد".
هذه المسيّرات تحوّلت فعليًا إلى أحد أبرز نجوم الحرب. فعلى الرغم من أن كثيرًا من الخبراء كانوا قد صنفوها في البداية كسلاح بدائي نسبيًا وغير فعّال مقارنة بالتكنولوجيا العسكرية الغربية المتقدّمة، فإن التجارب الميدانية أثبتت العكس. فقد اختُبرت هذه المسيّرات أوّلًا في الحرب الروسية على أوكرانيا، ثمّ عادت لتثبت حضورها في المواجهة الأخيرة في الشرق الأوسط.
الميزة الأساسية لمسيّرات "شاهد" ليست في تعقيدها التكنولوجي، بل في معادلتها الاقتصادية القاتلة. فكلفة إنتاج الواحدة منها تبلغ نحو 30 ألف دولار، في حين أن الصواريخ الاعتراضية التي تُستخدم لإسقاطها قد تصل كلفة الواحدة منها إلى أربعة ملايين دولار.
هذه الفجوة في الكلفة جعلت من المسيّرات الإيرانية تحدّيًا حقيقيًا لأميركا وحلفائها، خصوصًا في الخليج. فحتى لو تم اعتراض معظمها، فإن الاستمرار في استخدام صواريخ باهظة الثمن لإسقاط أهداف زهيدة الكلفة يخلق استنزافًا ماليًا وعسكريًا على المدى الطويل.
لكن في مكان آخر من العالم، كان هناك من يعمل على حل هذه المعضلة. فالحرب الأوكرانية - الروسية دفعت الجيش الأوكراني إلى تطوير وسائل جديدة لمواجهة هذا النوع من المسيّرات، ما أدّى إلى ظهور فكرة المسيّرات الاعتراضية منخفضة الكلفة.
وبينما اعتبر محلّلون أن بوتين سيكون الرابح الأكبر من جرّاء الحرب ضدّ إيران، برز دور زيلينسكي، الذي سارع إلى استثمار خبرة بلاده في هذا المجال. فبعد انتهاء ما عُرف بـ "حرب الـ 12 يومًا" وخلال لقاء جمعه بترامب، أبدى زيلينسكي استعداد أوكرانيا لتزويد أميركا بتقنيات جديدة لمواجهة المسيّرات الإيرانية. وتشمل هذه التقنيات استخدام مسيّرات اعتراضية رخيصة، مثل مسيّرة "ستينغ" القادرة على ملاحقة المسيّرات وإسقاطها بكلفة أقل بكثير من الصواريخ الدفاعية.
خطوة زيلينسكي الهادفة إلى تأمين حماية للقواعد الأميركية وحلفاء واشنطن في المنطقة، تميّزت عن الموقف الأوروبي. فمعظم الدول الأوروبية ما زالت ترفض الانخراط عسكريًا بشكل مباشر في الحرب ضدّ إيران، معتبرة أن هذه المواجهة "ليست حرب أوروبا". كما أن دول الاتحاد الأوروبي لا تبدي حماسة لتوسيع مهامها البحرية لتشمل مضيق هرمز.
في المقابل، بدا زيلينسكي أكثر براغماتية. فهو يدرك أن تهديد المسيّرات الإيرانية لا يقتصر على الشرق الأوسط، بل يمتد أيضًا إلى أوروبا، خصوصًا في ظلّ استخدام روسيا لهذه التكنولوجيا ضدّ بلاده. ولهذا وصف النظامين الروسي والإيراني بأنهما "إخوة في الكراهية" خلال زيارته بريطانيا الثلثاء، مشددًا على أن خطر المسيّرات الإيرانية يربط أمن أوروبا بأمن الشرق الأوسط.
إذًا مرّة جديدة يتميّز زيلينسكي بموقفه المتقدّم، مفاجئًا كلّ من كان يريد منه أن يكون مديرًا ميدانيًا لصراع أوروبا مع روسيا، ليطرح نفسه لاعبًا دوليًا أساسيًا، على عكس دول عظمى نأت بنفسها عن أكبر صراع في الشرق الأوسط فقط من باب نكدها السياسي مع ترامب. ولم يكتفِ زيلينسكي بالتصريحات، فقد أرسل 201 خبير عسكري إلى دول في المنطقة، مثل السعودية والإمارات وقطر، لمساعدتها في مواجهة المسيّرات الإيرانية، مع استعداد كييف لإرسال المزيد.
بهذه الخطوات، يبدو أن زيلينسكي لا يكتفي بخوض معركته مع روسيا، بل يسعى أيضًا إلى تثبيت موقع بلاده كلاعب عسكري وتقني في معادلات الأمن الدولي. وربّما يفتح ذلك الباب أمام علاقة أعمق مع دول الخليج، التي قد تجد في أوكرانيا شريكًا أمنيًا جديدًا… وشريكًا اقتصاديًا أيضًا في مرحلة إعادة إعمار أوكرانيا بعد الحرب.