عاد رئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل لطرح سؤال: "أين الدبلوماسية اللبنانية اليوم؟"، معتبرًا أن الحكومة تعاني عجزًا في مختلف المجالات، ومنها الدبلوماسية، رافضًا ما وصفه بالسير في "أجندات تبرر الاعتداءات أو العمل باتجاه واحد".
غير أن مصادر مطلعة ردّت على هذا الطرح، معتبرة أن توصيف "العجز" يفتقد إلى الدقّة، إذ إن المشكلة لم تكن يومًا في ضعف الدولة بقدر ما كانت في خطفها وتكبيلها. وتشير هذه المصادر إلى أن وزارة الخارجية التي تشكّل العامود الفقري للدبلوماسية، وخلال مراحل سابقة، تحوّلت إلى ما يشبه ذراعًا دبلوماسيًا لمحور إيران، بدل أن تكون ممثلاً حصريًا للدولة اللبنانية ومصالحها، وتحديدًا ايام باسيل وغيره من الوزراء الذين تعاقبوا على حقيبة الخارجية والذين برّروا سياسة حزب الله لسنوات عديدة.
وبحسب المصادر نفسها، فإن الحديث عن "عجز الدبلوماسية" اللبنانية يتطلب أولاً مراجعة المرحلة التي كان فيها باسيل على رأس الوزارة، حيث ترى المصادر أن تلك الفترة شهدت تسييسًا واضحًا للدبلوماسية اللبنانية، وانحرافها عن دورها التقليدي كأداة توازن وانفتاح، لتصبح منصة تُستخدم لتغطية خيارات "الممانعة" السياسية والأمنية التي لا تعبّر عن مصلحة لبنان.
وتذهب هذه القراءة أبعد من ذلك، لتعتبر أن وزارة الخارجية في تلك المراحل بدت، في كثير من الأحيان، وكأنها امتداد لسياسات إقليمية لا تخدم المصلحة اللبنانية، لا سيما ان تحالفًا متينًا جمع باسيل مع "حزب الله" وحلفائه، ما انعكس سلبًا على صورة لبنان الخارجية وعلى قدرته على الحفاظ على موقعه كدولة ذات سيادة مستقلة.
في المقابل، تشير المصادر إلى أن المرحلة الحالية تشهد إعادة تصويب المسار، مع تولّي وزير الخارجية يوسف رجي مهامه، حيث يجري العمل على استعادة الخطاب السيادي للدولة اللبنانية، وإعادة التأكيد على أن لبنان ليس ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، ولا منصة لأي مشروع يتجاوز مؤسساته الشرعية.
وترى هذه المصادر أن الدبلوماسية اللبنانية اليوم تسعى إلى إعادة تثبيت مجموعة من الثوابت، أبرزها:
- التأكيد على سيادة الدولة وقرارها المستقل
- رفض استخدام الأراضي اللبنانية كمنصة لصراعات إقليمية
- إعادة بناء الثقة مع المجتمع الدولي
- فصل السياسة الخارجية عن أي ارتباطات غير رسمية أو مسلحة
وفي هذا السياق، تعتبر المصادر أن من ينتقد اليوم أداء الحكومة تحت عنوان "العجز"، هو نفسه من ساهم، في مراحل سابقة، في إضعاف مؤسسات الدولة وتقييد قرارها السيادي، ما يجعل من هذا النقد موضع مساءلة سياسية وأخلاقية.
في المحصلة، لا يبدو النقاش حول "عجز الدبلوماسية" مجرد خلاف سياسي عابر، بل هو انعكاس لصراع أعمق حول هوية لبنان ودوره: هل هو دولة ذات سيادة كاملة، أم ساحة مفتوحة لتقاطع المشاريع الإقليمية؟
الإجابة، كما توحي التطورات الحالية، لا تُكتب فقط في التصريحات، بل في كيفية استعادة الدولة لصوتها… ومنع مصادرته مجددًا.