كيف تتفاعل البيئة الميكروبية المعوية مع دماغك؟

02 : 00

أجرى الباحثون دراسات على الفئران واكتشفوا أدلة مفادها أن التوازن الصحي بين الكائنات الدقيقة في الأمعاء عامل ضروري للحفاظ على الصحة. توصّل باحثون من معهد "باستور" و"المركز الفرنسي الوطني للأبحاث العلمية" و"المعهد الوطني للعلوم والأبحاث الطبية" إلى أدلة حول دور البيئة الميكروبية المعوية في تنظيم المزاج وحماية وظيفة الدماغ. جرت الدراسة تحت إشراف فريق من 16 باحثاً من تلك المعاهد الفرنسية المرموقة ونُشرت نتائجها في مجلة "تواصل الطبيعة".

البيئة الميكروبية المعويةوالمزاج

تكشف الدراسات أن المصابين بالاكتئاب يتعرضون أحياناً لاختلال التوازن البكتيري في الأمعاء. كذلك، تشير أبحاث أخرى على القوارض إلى ارتباط هذا الاختلال المعوي بتغيرات عصبية لها صلة بالاكتئاب، نذكر منها:

• تراجع تكوين الخلايا العصبية في سن الرشد أو نمو خلايا دماغية جديدة.

• التهاب خفيف ومزمن.

• اختلال وظيفة محور الوطاء والغدد النخامية والكظرية (أي النظام المركزي لاستجابة الضغط النفسي في الجسم).

على صعيد آخر، تذكر الدراسات الحيوانية أن البيئة الميكروبية المعوية تسهم في تنظيم القلق، حتى أنها قد تؤثر على نشوء الاضطرابات العصبية التي تسببها اختلالات مثل مرض الباركنسون والزهايمر والاكتئاب واضطراب الوسواس القهري.

يحصل ذلك برأي الباحثين لأن الجراثيم المعوية تطلق نواتج أيضية: إنها جزيئات ضئيلة من المأكولات التي تتفكك خلال عملية الهضم وتؤثر على وظيفة الدماغ. قد تنعكس النواتج الأيضية أيضاً على تنظيم المزاج من خلال التأثير على نظام الكانابينويد الداخلي.

يكون نظام الكانابينويد الداخلي معقداً ويتولى إرسال الإشارات ويتألف من ناقلات عصبية دهنية ومستقبلاتها. يمكن إيجاده في أنحاء الجسم وهو يؤثر على جوانب صحية مهمة مثل المناعة والجهاز العصبي والتواصل الخلوي فيه. ينظّم هذا الجهاز العواطف والمزاج واستجابات الضغط النفسي عبر تنشيط النوع الأول من مستقبلات الكانابينويد.

تدعم الأبحاث السابقة الفكرة القائلة إن تجديد الصحة الميكروبية المعوية قد يسمح بمعالجة الاكتئاب. في الدراسات الحيوانية، أثّر العلاج بالمحفزات الحيوية على السلوك العاطفي. وفي الدراسات البشرية، ساهمت مكملات المحفزات الحيوية أيضاً في تحسين مزاج المصابين بالاكتئاب.لكن رغم النظريات المدروسة في هذا المجال، لا يعرف الباحثون حتى الآن طريقة تأثير الجراثيم المعوية على وظيفة الدماغ. أراد الباحثون في الدراسة الأخيرة اكتشاف الآليات التي تربط بين البيئة الميكروبية المعوية واضطرابات المزاج. نشر فريق من الباحثين في المعاهد الفرنسية نفسها تقريراً في وقتٍ سابق من هذه السنة حيث يذكر أن التغيرات التي يسببها الضغط النفسي في البيئة الميكروبية المعوية تُضعِف فعالية دواء الفلوكسيتين المضاد للاكتئاب لدى الفئران.

تفاصيل الدراسة

أخضع الباحثون في الدراسة الفئران المتشابهة من الناحية الوراثية لضغط نفسي خفيف ومزمن وغير متوقع (نموذج من الاكتئاب الذي يسببه الضغط النفسي لدى الفئران) طوال ثمانية أسابيع.

أدى هذا العلاج إلى نشوء سلوكيات مشابهة للاكتئاب، منها تراجع وتيرة الأكل وتنظيف الذات، وفقدان الوزن، وتكوين الخلايا العصبية في الحُصين. يكون هذا الجزء الدماغي مسؤولاً عن التعلم وحفظ الذكريات ويتأثر بحالات نفسية وعصبية متعددة.

ثم زرع الباحثون عينات برازية تحتوي على بيئة ميكروبية معوية مأخوذة من مجموعة مرجعية وفئران تعرّضت لضغط نفسي خفيف ومزمن وغير متوقع لدى قوراض سليمة. بعد مرور ثمانية أسابيع، طوّرت الفئران التي تلقت الزرع من القوارض المصابة بالضغط النفسي أعراضاً مشابهة للاكتئاب، وسجلت هذه المجموعة أيضاً تراجعاً في عدد الخلايا الجذعية الدماغية والخلايا العصبية الجديدة في منطقة الحُصين.

تثبت هذه النتائج أن نقل البيئة الميكروبية المعوية من فئران كئيبة ومصابة بالضغط النفسي إلى فئران سليمة ينتج سلوكيات مشابهة للاكتئاب.

على صعيد آخر، اكتشف الباحثون أيضاً أن الفئران التي حملت البيئة الميكروبية الخاصة بالقوارض المصابة بضغط نفسي سجّلت تراجعاً ملحوظاً في مستوى الكانابينويدات الداخلية في الحُصين والدم، بالإضافة إلى تراجع مستويات جراثيم العصيات اللبنية. تمكن الباحثون من إضعاف أثر الكآبة الذي تعطيه البيئة الميكروبية بسبب الضغط النفسي الخفيف والمزمن وغير المتوقع من خلال زيادة مستويات النوع الأول من مستقبلات الكانابينويد ومنح الفئران سلالة من جراثيم العصيات اللبنية عن طريق الفم.

تثبت هذه النتائج أن عوامل الضغط النفسي المزمن والحمية الغذائية والبيئة الميكروبية المعوية تشارك في تطوير سلوكيات الاكتئاب عبر نظام الكانابينويد الداخلي. يقول جيرار إيبيرل، رئيس وحدة البيئة الميكروبية والمناعة في معهد "باستور" وأحد المشرفين على الدراسة الأخيرة: "يثبت هذا الاكتشاف الدور الذي تلعبه البيئة الميكروبية المعوية في عمل الدماغ الطبيعي".

في التفصيل، يبدو أن الاختلالات التي تصيب البيئة الميكروبية في الأمعاء وتُخفّض مستويات الأحماض الدهنية الضرورية لحماية نظام الكانابينويد الداخلي ووظيفة الدماغ تُشجّع على نشوء سلوكيات مشابهة للاكتئاب.

تعني هذه النتائج أن الجراثيم قد تتحول أحياناً إلى مضاد طبيعي للاكتئاب، فتعالج الاضطرابات المزاجية عبر تجديد صحة البيئة الميكروبية المعوية. إنه استنتاج واعد نظراً إلى الآثار الجانبية المحتملة لمعظم مضادات الاكتئاب المستعملة راهناً وتراجع فعاليتها نسبياً.

للتأكد من هذه النتائج، يُفترض أن يختبر الباحثون استنتاجاتهم على البشر. يعرف العلماء أن بحثهم الجديد يجب أن يستكشف ما إذا كانت التغيرات في البيئة الميكروبية المعوية تؤثر بالطريقة نفسها على مواقع دماغية أخرى في نظام الكانابينويد الداخلي.



يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.