جويل غسطين

"مارغو" في "بالحرام"

رندة كعدي ممثلة تبني الشخصيّة بحِرفة صائغ

6 دقائق للقراءة

دورًا بعد دور في مسلسل بعد آخر، تؤكّد الممثلة رندة كعدي أحقيّتها بِصفة "القديرة". خلال شهر رمضان المبارك، برزت كعدي بأداءٍ استثنائي في مسلسل "بالحرام" الذي عرضته قناة "mtv"، وقدّمت في حلقاته شخصية "مارغو" بجرأة وصدق يلامسان عمق الإنسان وهشاشته. العمل الدراميّ الذي أنتجته شركة "إيغل فيلمز" وجمع نخبة من نجوم الشاشة اللبنانية من بينهم ماغي بو غصن، تقلا شمعون، عمّار شلق، وباسم مغنية، نجحت كعدي في خلاله بحجز مساحة خاصة لها، متفوّقة بحضورها، ومؤكدة أن التميّز لا يُقاس بحجم الدور فقط، بل بقدرته على التأثير في نفوس المشاهدين.

أكدت الممثلة رندة كعدي حضورها مجدّدًا بِدورٍ لا يُنسى، وأبرزت مرّة أخرى قدرةً عالية على الغوص في أكثر الشخصيات تعقيدًا، راسمةً ملامح "مارغو" بأداء متقن ومليء بالتفاصيل الدقيقة. لم تكن "مارغو" مجرّد شخصية عابرة، بل جسّدت حكاية امرأةٍ مثقلة بالخسارات، تمزقت بين براثن الألم ودهاليز اليأس. فقدت زوجًا قبل أن يكتمل زواجهما، ووجدت نفسها وحيدة بلا سند أو ولد، متروكة لمواجهة الحياة بصلابةٍ هشة.

بدت "مارغو" في "بالحرام" صريحة حدّ الوقاحة، قاسية أحيانًا ومندفعة أحيانًا أخرى. في يدها دائمًا زجاجة كحول كأنها درعها الوحيد في وجه الانكسار. لكنها، خلف هذا القناع الخشن، أخفت قلبًا دافئًا كان يبحث عن الحب ويتشبّث بأيّ ملامح للحنان. تميّزت بكونها امرأة تفتح باب بيتها وقلبها لكلّ من يطرقهما، وكأنها كانت تحاول في عمقها ترميم ما انكسر فيها، عبر الاهتمام بالآخرين ومنحهم ما حُرمت منه.


الدَّور المنتظَر

في حديث مع "نداء الوطن" عقب انتهاء عرض حلقات المسلسل، عبّرت الممثلة رندة كعدي عن فرحتها العميقة بتقديم شخصية "مارغو" في مسلسل "بالحرام"، مشيرةً إلى أنها كانت تنتظر دورًا مركَّبًا مثل ذاك الذي قدّمته في هذا العمل. 

استهلك الدَّور كلّ طاقتها الإبداعية، على ما أسرَّت لنا، ذلك أنه تطلّب منها التلوين والتفصيل في كلّ حركة ونظرة، لكنه في المقابل منحها شعورًا نادرًا بالرضا الفني. ورغم حدّة مشاعر "مارغو" وصراعاتها الداخلية، لم تترك الشخصيّة على مؤدّيتها أيّ أثر سلبي، بل أثرت تجربتها الإنسانية والمهنية.


نقص عاطفي

و "مارغو"، بحسب وصف كعدي لها، امرأة ممزقة بين الفقد واليأس، حملت في قلبها جراحًا عميقة من حبٍ ضائع وعاطفة لم تُشبَع لا من أسرتها ولا بعد زواجها، إذ فقدت زوجها ليلة زفافهما، في لحظة كان يُفترض أن تكون بداية حياة جديدة، فإذا بها تتحوّل إلى بداية الانكسار. هذا الفقد المبكّر ترك في داخلها فراغًا عاطفيًا قاسيًا، انعكس على سلوكها ونظرتها إلى نفسها والعالم مِن حولها. ومع تراكم الخيبات، انسحبت "مارغو" تدريجيًا من الاهتمام بذاتها، خارجيًا وداخليًا، وكأنها تعاقب نفسها أو تستسلم لغياب المعنى. لم تعد ترى في مظهرها أو في حياتها ما يستحق العناية، فكان الإهمال ترجمة صامتة لنقص الحب الذي عاشته.


بناء الشخصية وتعديلها

تفتح كعدي قلبها للحديث عن كواليس بناء شخصية "مارغو"، كاشفةً عن رحلة داخلية دقيقة تشبه حرفة الصائغ في وزن المشاعر وصقلها. وتوضح الممثلة القديرة أنها تعتمد على منهج كونستانتين ستانسلافسكي، القائم على الإحساس الداخلي بالشخصية وتبنّيها من الداخل، لا الاكتفاء بأدائها خارجيًا.

أما عن تعديل ملامح الشخصية أو النص، فتقول كعدي إنها تحرص على احترام حدود دورها كممثلة، معتبرةً أن لكلّ فرد في العمل اختصاصه ومسؤوليّته، وفق مبدأ "كل شخص مَلِك في اختصاصه". إلا أنها، في حال كانت لديها أي ملاحظات، فهي تطرحها مباشرة مع المخرج خلال التصوير، في إطار من التعاون المهني الذي يحفظ توازن العمل وروحيّته.


الشبه والاختلاف

نسأل الممثلة رندة كعدي إن كان ثمّة أوجه شبه بينها وبين "مارغو"، فتحرص في إجابتها على تأكيد الفصل الواضح بين شخصيتها الهادئة والمتزنة، وبين شخصية "مارغو" التي تتسم بالاندفاع وسرعة الغضب والتعبير عن الألم من دون ضوابط. ومع ذلك، تلتقي الشخصيّتان في لحظات الصدق العفويّ حيث تظهر هشاشة الإنسان بوضوح، وتتحوّل هذه اللحظات إلى حضور صادق يلامس الواقع على الشاشة.


جوهر الأزمة

وفي سياقٍ آخر من حديثنا معها، تعبّر الممثلة رندة كعدي عن شعورها بالخذلان العميق من قِبل الوطن، وهو شعور لا يختبره إلا من أنهكته الخيبات وفقد إيمانه بإمكانية غدٍ أفضل، لا سيّما بعد أن عايشت أكثر من حرب. وترى أن جوهر الأزمة في لبنان يكمن في غياب الحسّ الوطني الحقيقي وتفكك روح الوحدة بين أبنائه، مشيرةً إلى أن الدولة تفتقر إلى قرار حازم يعيد لها زمام المبادرة، بدل الارتهان لتأثيرات خارجية. وتؤكد أن ما يزيد هذا الألم هو أن الحروب والصراعات كثيرًا ما تُفرض على اللبنانيين من دون إرادة غالبية الشعب، ما يعمّق شعور العجز والانفصال عن مصيرهم. لكنها ترى في المقابل أن الفن، ولا سيّما الدراما، يمتلك قدرة حقيقية على ملامسة الواقع الاجتماعي والسياسي، عبر تسليط الضوء على القضايا الحساسة ودفع النقاش العام نحوها. وتستحضر تجربتها في مسلسل "بالحرام" الذي طرح أفكارًا تتعلّق بحماية الأطفال من الاستغلال عبر وسائل التواصل، معتبرةً أن للفن قدرة في "وضع الإصبع على الجرح" وكشف مكامن الخلل. إلا أنها، في المقابل، تعبّر عن خيبة واضحة من محدودية الأثر، إذ غالبًا ما تنتهي التفاعلات بانتهاء العمل، من دون ترجمة فعلية إلى حلول.


شعور بالأسف

وتلمّح كعدي إلى أن الأسئلة التي تثيرها الدراما لا تجد صداها إلا في مجتمع يملك وعيًا حيًّا وإرادة حقيقية للتغيير، وهو ما يبدو غائبًا في واقعٍ متعب تتداعى فيه الأسس. وبين إيمانها العميق بِدور الفن وإحباطها من واقع لا يستجيب، يتسلّل إلى كلماتها وجعٌ صادق كأن الحلم يتكسّر بصمت أمام عينيها. أمام هذا المشهد المثقل، لا يعود الفن وحده كافيًا بل يصبح بناء الإنسان والوطن أولوية مؤجّلة، تنتظر من يرمّمها قبل أن يُكتب لأي تغيير أن يولد.

وتختم الممثلة رندة كعدي كلامها بالإشارة إلى أنها تعيش يومًا بيوم بعيدًا من خطط مسبّقة، وهي رغم كونها لا تعمل حاليًا على أي مشروع دراميّ، لكنها منفتحة على أيّ دور يحمل تحديًا حقيقيًا لموهبتها ويوقظ فيها شغف التمثيل، ويدفعها لتقديم أفضل ما لديها كفنانة.