جنى جبّور

"دبّر حالك" بذكاء

بين نار الجنوب وشمس جونيه... لا أحد محميّ!

7 دقائق للقراءة

بين متاريس السبعينات، تموز 2006، وواقعنا اليوم، تبدلت وجوه الموت وبقيت الحرب واحدة. يروي أحد المحاربين القدامى مفارقة موجعة: "كنا نمضي إلى الجبهة حاملين دماءنا على أكفنا، ونحن نشاهد من نوافذ الآليات ناسًا يستمتعون بالشمس على بحر جونيه... وكأننا في بلدين لا في بلد واحد".

اليوم، يتكرر المشهد. جبهات تشتعل ومناطق تحاول استراق الحياة، لكن في الحقيقة لا أحد محمي حقًا في حربٍ وُرِطنا بها جميعًا. فالتكنولوجيا العسكرية التي استبدلت البارودة بالمسيّرة والبيانات، جعلت حرب البارحة مجرد نزهة مقارنةً بالواقع الحالي. لذا، نحن ملزمون أن نفهم لغة هذا التطور لنعرف كيف نحمي أحباءنا وسط هذا الجنون، لا سيما أننا شعبٌ يحترف النجاة بالصدفة، في بلدٍ شعاره: "دبّر حالك... الله وحده الحامي".

لم يعد بحر جونيه بعيدًا عن جبهة الجنوب. فقد ألغت التكنولوجيا المسافات الجغرافية، وحولت كل شرفة منزلية إلى خط تماس محتمل. في هذا السياق، يؤكد الباحث في شؤون مكافحة الإرهاب بيار جبّور أن مفهوم الأمان المطلق قد تلاشى فعليًا، ليحل محله الأمان النسبي المرتبط بالسياق الميداني. فبينما تظل المناطق البعيدة عن نقاط التوتر العسكري والمنشآت الحساسة أقل عرضة للمخاطر، إلا أن استقرارها يبقى رهينة التطورات اللحظية؛ إذ أن أي نشاط عسكري طارئ في محيطها يحولها فورًا إلى هدف مشروع للرد. أما على الصعيد التقني، فإن اقتناء الهاتف المحمول لا يلغي الأمان الجغرافي بالكامل، لكنه يضعفه بشكل ملموس عبر المساهمة في تحديد الموقع بدقة، لا سيما إذا كان الشخص تحت المراقبة أو ملاحقًا أمنيًا. ومع ذلك، لا يحول حمل الجهاز صاحبه تلقائيًا إلى هدف، إذ يظل الاستهداف مربوطًا بوجود اشتباه أمني، أو توافر معلومة استخباراتية، أو رصد سلوك ميداني مريب، بعيدًا من مفاهيم العشوائية التي سادت في حروب القرن الماضي.

وإذا كان اللبناني قد حصن نفسه سابقًا بملاجئ بدائية من ابتكاره، فهل تصلح هذه الأقبية لمواجهة أسلحة اليوم؟ يجيب جبّور مختصرًا أن الملاجئ التقليدية، بجدرانها الإسمنتية وأكياس رملها، فقدت حصانتها المطلقة. فبينما كانت كافية للحماية من الشظايا والقصف غير الموجه، تقف اليوم عاجزة أمام الصواريخ المصممة لاختراق التحصينات وهدم أبنية كاملة. فالملجأ اليوم يحمينا من الآثار الجانبية للانفجار، لكنه لا يوفر حماية من الضربة المباشرة إذا ما تحول المبنى إلى هدف عسكري.


ملجأك الذكي

بناءً على ذلك، ينتقل مفهوم الأمان من البحث عن حصانة هيكلية مفقودة إلى إدارة المخاطر وتقليلها عبر اتباع قواعد ذهبية داخل المنازل، خصوصًا في المناطق التي تبعد ما بين 100 إلى 300 متر عن دوائر الاستهداف المحتملة. ويشدد جبّور على أن الأمان الحقيقي هو حصيلة سلوك ذكي وليس مجرد جدران سميكة؛ ولتحقيق ذلك يُنصح بـ:

- البحث عن أكثر النقاط تواريًا في المنزل، كالحمامات أو الممرات الداخلية التي تفتقر للنوافذ وتفصلها عن الخارج "قاعدة الجدارين" على الأقل.

- الابتعاد الكلي عن الشرفات والجدران الضعيفة (الخفّان)، حيث يضاهي خطر الزجاج المتطاير والشظايا خطر الانفجار نفسه.

- تجنب تجمع أفراد العائلة في نقطة واحدة داخل الغرفة، لأن التوزيع يقلل من احتمالية وقوع فاجعة جماعية.

- الارتماء أرضًا فورًا بمحاذاة جدار صلب، عند وقوع الانفجار، مع تغطية الرأس والرقبة، وفتح الفم قليلًا لموازنة الضغط وحماية الرئتين من التمزق.


أيها النازح: راقب محيطك

بالانتقال إلى ملف النزوح، يخطئ من يظنه مجرد حقيبة ملابس وهروب من الموت، بل في جوهره انتقال من خطر القذيفة إلى فخ الاكتظاظ وهواجس البيئة الجديدة. ولكي يحدد النازح مدى أمان وجهته، يشير جبّور إلى أن "البحث لا يجب أن يقتصر على سقف وجدران، بل على بيئة تمنح العائلة فرصة حقيقية للنجاة"، متوجهًا الى كل نازح بالقول: اقرأ المكان قبل أن تسكنه وابتعد كليًا عن محيط المواقع العسكرية، المكاتب الأمنية والمباني الحكومية الحساسة، بالإضافة إلى الأهداف الحيوية كالبنى التحتية (محطات الكهرباء، مراكز الاتصالات، الطرق الدولية، وخزانات الوقود والغاز الضخمة). خلال الدقائق الأولى لوصولك، راقب البيئة بتركيز: هل تلاحظ سيارات ذات زجاج داكن مركونة بشكل دائم؟ هل هناك حراسة غير رسمية أو سرية مفرطة تحيط بمبنى مجاور؟ هل ترصد تحركات مريبة في أوقات متأخرة؟ وجود هذه الإشارات يعني أن المكان قد يكون تحت المجهر، والانسحاب الفوري منه هو القرار الحكيم. ويضيف: "يُفضل اختيار الأبنية الحديثة والمتماسكة، لأن المباني القديمة المتصدعة قد تنهار كليًا نتيجة ضغط انفجار يقع على بعد 200 متر منها، مع التأكد من وجود أكثر من مخرج للمبنى وللمنطقة لضمان الإخلاء السريع وتجنب الطرق المسدودة التي قد تتحول إلى مصيدة. وأخيرًا، إذا شعرت بعدم ارتياح نفسي للمكان بلا سبب ملموس، فغالبًا ما يكون حدسك الأمني صحيحًا! لا تتردد في البحث عن بديل".


أيها المستضيف: قَيّم السلوك، لا الهوية

نبقى في الملف المرير نفسه، حيث تتجاوز المعاناة حدود مراكز الإيواء لتطال العلاقة مع المحيط، إذ تعيش المجتمعات المستضيفة حالة من التوجس خوفًا من انفجار أزمات داخلية جديدة. وهنا تبرز الضرورة الوطنية للأمن عبر الفصل التام بين القوى العسكرية التي تسببت في هذا الواقع، وبين المدنيين الذين تجرعوا مرارة التشريد. ولنزع فتيل الاحتقان، يؤكد جبّور أن الأمن الحقيقي يبدأ بالثقة المنظمة والابتعاد عن العشوائية، مشددًا على ضرورة مراقبة السلوك لا الهوية. وترتكز المقاربة الأمنية الفعالة على رصد الأنشطة غير المبررة والسرية المفرطة، بدلًا من وصم فئة النازحين ككل. هنا، تبرز أهمية تفعيل القنوات الرسمية (البلديات والأجهزة الأمنية) كبديل للشائعات، مع حصر مشاركة المعلومات بالجهات المختصة. كما تدعو الرؤية الأمنية الحديثة إلى دمج النازحين في محيطهم الجديد بدلًا من عزلهم، كون العزلة تشكل بيئة خصبة للاختراقات. ويظل الدور المحوري للأجهزة الأمنية في فرض الطابع المدني الصرف داخل مراكز الإيواء، عبر حضور هادئ يهدف لجمع المعلومات الوقائية وضمان السلم الأهلي، وصولًا إلى بناء بيئة مترابطة تضمن حماية الجميع بعيدًا عمن الانقسام والخوف.


حقيبة الطوارئ

يجب أن تكون هذه الحقيبة جاهزة قرب مخرج المنزل، خفيفة الوزن ومصممة لضمان صمود العائلة لثلاثة أيام متواصلة:

- الغذاء والماء: ليتران من الماء لكل فرد يوميًا، مع أطعمة جافة ومعلبات عالية الطاقة.

- المستلزمات الطبية: حقيبة إسعافات أولية وأدوية الأمراض المزمنة التي تكفي لشهر كامل.

- المعدات التقنية: وسائل إضاءة ببطاريات احتياطية، شاحن متنقل (Power Bank)، وسكين متعدد الاستخدامات.

- أدوات الطوارئ: صفارة حادة (لتحديد الموقع عند العزل) وشريط لاصق متين.

- الوثائق والأموال: مبالغ نقدية بفئات صغيرة، الهويات، جواز السفر وصكوك الملكية...


الوصايا الأمنية العشر

يضع جبّور عشر وصايا للنجاة، محورها أن الأمان مرتبط بمدى انضباطك الميداني... فكلما قلّ ضجيج حضورك، اتسعت مساحة أمانك:

1. أوقف تفعيل خاصية مشاركة الموقع (Location) في هاتفك، وتجنب التطبيقات التي تتيح التتبع اللحظي.

2. امتنع عن نشر صور أو فيديوات الغارات أو التحركات العسكرية لحظة وقوعها؛ فالنشر الفوري يقدم خدمات استخباراتية مجانية.

3. ابتعد كليًا عن تصوير المراكز العسكرية أو التجهيزات الأمنية، حتى وإن كان ذلك عن غير قصد.

4. عطّل خاصيتي "البلوتوث" و"الواي فاي" عند عدم الحاجة إليهما لمنع تعقب جهازك.

5. احصر تواجدك في مجموعات التواصل الموثوقة وتجنب إعادة نشر الأخبار غير المؤكدة لمنع تفشي الشائعات.

6. غيّر مسارات تحركك ومواعيد خروجك دوريًا لتبديد أي نمط مراقبة قد يُبنى على تحركاتك.

7. احتفظ بأرقام الطوارئ والاتصال الضرورية مكتوبة على ورقة خارجية، تحسبًا لتعطل الهاتف أو فقدانه.

8. راقب بيئتك بهدوء. إذا رصدت سلوكًا غير طبيعي، انسحب فورًا من دون الدخول في مواجهات.

9. لا تُدلي بمعلوماتك الخاصة لأي جهة مجهولة، حتى وإن ادعت صفة رسمية، ما لم يتم التأكد من هويتها.

10. حدد دائمًا خطة خروج جاهزة (من أين، إلى أين، كيف ومتى؟) لتكون قادرًا على مغادرة أي مكان خلال دقائق.