يؤدّي رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف دورًا محوريًّا بشكل متزايد في ظلّ الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضدّ النظام الإيراني، ما يجعله شخصية بالغة الأهمية في لحظة حاسمة للجمهورية الإسلامية، خصوصًا بعدما أفاد مسؤول إسرائيلي ومصدر مطلع لوكالة "رويترز" بأن قاليباف يتفاوض نيابة عن إيران مع أميركا. ومع اختفاء المزيد من الشخصيات النافذة عن المشهد، أصبح الرجل، الذي كان قائدًا في "الحرس الثوري" ورئيس بلدية طهران، وقائدًا للشرطة الوطنية، ومرشحًا رئاسيًا سابقًا، حلقة وصل رئيسية الآن بين النخب السياسية والأمنية والدينية.
وكان قالیباف، الذي لطالما نُظر إليه على أنه مقرّب من المرشد الإيراني المقتول علي خامنئي وموضع ثقة ابنه مجتبى الذي خلفه في منصب المرشد الأعلى، من أبرز الأصوات المتحدية لإسرائيل وأميركا وتوعّد بالثأر من هجومهما، إذ هدّد بتوجيه "ضربات مدمّرة لدرجة ستجعلكما تتوسّلان". وتعكس هذه اللهجة القوية موقفه الراسخ كأحد أنصار النظام، وهو موقف تجلّى أيضًا من خلال المساعدة في القمع الوحشي لمظاهر المعارضة الداخلية.
مع ذلك، وعلى الرغم من هذه المواقف المتشدّدة، رسم قاليباف كذلك صورة لنفسه كشخصية مجدّدة براغماتية، وظهر خلال حملته الرئاسية عام 2005 بزيّه الرسمي كطيار في إعلانات الحملة الانتخابية لتعزيز صورته كمرشح مؤهل. وربّما ساعد هذا الموقف في وضعه كمرشح مفيد للمحادثات السرّية مع واشنطن مع استمرار الصراع، رغم نفيه إجراء أي مفاوضات مع الأميركيين.
ولد قاليباف في بلدة طُرقبة في شمال شرق إيران عام 1961. وتشير وسائل الإعلام إلى أن حياته تشكّلت في المراحل المبكرة جزئيًا من خلال المحاضرات التي كان يحضرها في المساجد عندما كان مراهقًا، في وقت زخم الثورة الإسلامية عام 1979. وعندما هاجم العراق إيران بعد أشهر من إطاحة الشاه، انضمّ إلى "الحرس الثوري"، وتدرّج سريعًا ليصبح جنرالًا خلال ثلاثة أعوام فقط. وبعد انتهاء الحرب، واصل مسيرته مع "الحرس" وحصل على رخصة طيار عسكري وأصبح في نهاية المطاف رئيسًا لوحدة القوات الجوية في "الحرس".
وأثناء خدمته في "الحرس"، شارك قاليباف في حملة قمع دموية ضدّ طلّاب الجامعات في عام 1999، وانضمّ إلى قادة آخرين في توقيع رسالة موجّهة إلى الرئيس الإصلاحي الأسبق محمد خاتمي، يهدّدونه فيها بإطاحته إذا لم يكبح الاحتجاجات. وعندما وجد خامنئي نفسه محاصرًا بين السخط المتزايد في الداخل والضغوط في شأن البرنامج النووي في الخارج، لجأ على نحو متزايد إلى الشخصيات الأمنية المتشدّدة مثل قاليباف مع انحسار زخم الحركة الإصلاحية.
وخلال تولّيه منصب قائد الشرطة، اتسم قاليباف بالقسوة، إذ أصدر أوامر بإطلاق النار على المتظاهرين عام 2002، بيد أنه حاول استمالة دعاة "التحديث"، الذي كان شكليًّا، عبر إدخال زي جديد أنيق لعناصر الشرطة. وعندما ترشح للرئاسة في عام 2005، كان يسعى إلى استقطاب الناخبين أصحاب الدخل المتوسط والمنخفض، لكن خطابه الشعبوي لم يصمد أمام منافسه رئيس بلدية طهران المثير للجدل محمود أحمدي نجاد، الذي مال خامنئي في النهاية لدعمه على حساب الجنرال السابق المقرّب منه.
ولم يتوقف قاليباف قط عن السعي للرئاسة، إذ ترشح لها في عامَي 2013 و2024 من دون أن يحالفه التوفيق، وانسحب من سباق عام 2017 لتجنب انقسام أصوات التيار المتشدّد. وحلّ محل أحمدي نجاد في منصب رئيس بلدية طهران، وشغل المنصب لمدّة 12 عامًا، ونُسب إليه الفضل في المساعدة على قمع اضطرابات استمرّت لأشهر وهزت المؤسّسة الحاكمة بعد إعلان فوز أحمدي نجاد في انتخابات متنازع عليها عام 2009. وبعد 12 عامًا في رئاسة بلدية طهران، عاد إلى معترك السياسة بانتخابه لعضوية البرلمان وتولّيه منصب رئيس البرلمان في عام 2020، ما منحه أحد أهم المناصب في هرم السلطة الإيرانية.