رمال جوني

النبطية تحت النار: تصعيد خطير يرسم ملامح مرحلة معقّدة

4 دقائق للقراءة

من الصعب التكهن بمجريات الحرب الدائرة جنوبًا، ولا بآلية تحديد مسارها، في ظل موجة التصعيد التي انطلقت صباحًا في منطقة النبطية. تصعيد مختلف في أبعاده وجغرافيته، إذ تركز على منازل المدنيين، وعلى الطواقم الإسعافية، ومحطات الوقود التابعة لشركة الأمانة، إضافة إلى الدراجات النارية، في دلالة واضحة على منع أي تحرك لأبناء المنطقة الذين صمدوا في قراهم، وسعيًا في ناحية أخرى لدفعهم نحو التهجير.

بات واضحًا أننا في قلب مرحلة دقيقة ومعقدة وغير واضحة المعالم. فالمعركة التي تدور رحاها بين عناصر من "حزب الله" والجيش الإسرائيلي في قرى الحافة الأمامية، تختلف بمساراتها في منطقة النبطية، التي باتت شبه معزولة عن محيطها الحدودي والبقاع الغربي، بعد استهداف جسر الدلافي.

هنا، المعركة هي غارات حربية ومسيّرات، ولم تهدأ هذه الغارات منذ ساعات الصباح الأولى، مع استهداف بلدات حاروف، الدوير، تول، شقرا وميفذون، لتتوسع لاحقًا نحو استهداف محطات الأمانة التابعة لـ"حزب الله"، حيث جرى استهداف ثلاث محطات، في مسعى واضح لضرب القوة الاقتصادية للحزب عبر مؤسساته.

التصعيد البالغ الخطورة تجلّى في استهداف مسعفين من إسعاف النبطية التابع للنادي الحسيني للمدينة، أثناء قيامهم بواجبهم الإغاثي، في خطوة خطيرة ضمن مرحلة دقيقة، ما يطرح تساؤلًا مشروعًا: هل يُراد اليوم منع الفرق الإغاثية من مواصلة عملها؟

تواجه الفرق الإغاثية والإسعافية والدفاع المدني اللبناني تحديات كبيرة، إذ تعمل وسط الخطر ولهيب الغارات. وقد تجاوز عدد المسعفين الذين سقطوا في منطقة النبطية وحدها أكثر من 25 مسعفًا، فضلًا عن عدد كبير من الجرحى، ومع ذلك يؤكد هؤلاء مواصلتهم عملهم الإنساني المغمّس بالمخاطر.

"نداء الوطن" رصدت عمل الفرق الإسعافية والإغاثية والدفاع المدني أثناء إخماد الحرائق ورفع الأنقاض في أكثر من منطقة وبلدة. يتسلح المسعفون بثوب الإسعاف، ويواجهون الخطر لإنقاذ الناس، فيما حياتهم أيضًا في دائرة الاستهداف، إذ لا تستثنيهم الغارات.

علي جابر وجود سليمان، مسعفان كانا ينتقلان على دراجتهما النارية أثناء نقلهما الغذاء لأهالي النبطية، استهدفتهما مسيّرة، فقضيا. لم تحمهما بدلتهما، رغم أن القانون الدولي يحظر استهداف رسل الإنسانية.

مسؤول إسعاف النبطية، مهدي صادق، شدد على أننا «نعمل في الخطر، ونواجه كل التحديات الصعبة لإنقاذ أهلنا وناسنا. الغارات الكثيفة والمتواصلة تعيق عملنا أحيانًا، ومع ذلك نستمر في رسالتنا الإنسانية، ولن نتوقف رغم كل الاعتداءات».

وأكد صادق العمل «في ظروف أمنية صعبة ودقيقة»، مشددًا على أن «عملنا لن يتوقف».

مع كل غارة، يندلع حريق، ويتحدى رجال الإطفاء في الهيئة الصحية الإسلامية كما في الدفاع المدني اللبناني كل المخاطر، فكل ما يهمهم هو مساعدة الناس وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من لهيب النار.

يقول يوسف فحص، أحد عناصر الدفاع المدني في الهيئة الصحية الإسلامية: «نواجه تحديات كبيرة جدًا، من بينها الاستهدافات. مرات كثيرة كنا نعمل وتستهدفنا غارات قريبة أو مباشرة، لكن هذا الخطر لا يوقفنا عن عملنا الإغاثي».

صباح اليوم، استهدفت غارة بلدة حبوش أحد المباني السكنية، فسقط نصف المبنى وعلق الأهالي داخله. وبذل رجال الدفاع المدني اللبناني جهودًا كبيرة لإخراجهم عبر السلالم، في مهمة معقدة وخطرة.

وفي هذا السياق، يقول مفوض الدفاع المدني اللبناني في النبطية، حسين فقيه، إن «الدفاع المدني هو شبكة أمان للمواطن، ونعتبر أن أرواح الناس وأرزاقهم مسؤولية كبيرة يجب الحفاظ عليها. الوضع صعب، لكن هذا لا يعني أن نقف مكتوفي الأيدي».

وشدد فقيه على جهوزية عناصر الدفاع المدني الذين يعملون بوتيرة عالية، مؤكدًا: «نعمل تحت الخطر، وخلال إخمادنا حريق محطة الأمانة جرى استهداف محطة ثانية، وهذا شكل تحديًا كبيرًا وخطرًا مضاعفًا لنا».

وأشار إلى أن الدفاع المدني يواجه نقصًا في المياه، مطالبًا بتزويدهم بكل مصادر المياه الممكنة لمواصلة عملهم المحفوف بالمخاطر، لافتًا إلى إضافة مهمة جديدة إلى عملهم تتمثل في نقل المياه العذبة إلى مراكز الإيواء.

الحرب لم تكن قاسية على الناس فحسب، بل أيضًا على الفرق الإغاثية والإسعافية والدفاع المدني اللبناني، الذين يحملون حياتهم على أكفّهم ويمضون في رحلة الأنقاض. ما يحتاجونه اليوم هو بعض الدعم ليستمروا في أداء واجبهم، وتأمين الحد الأدنى من الحماية لهم في وجه الاستهداف.