مايز عبيد

عن الدولة الغائبة في طرابلس والشمال والمجتمع الذي ينجو بمفرده

3 دقائق للقراءة

لم يعد غياب الدولة في لبنان مسألة نظرية، بل أصبح واقعًا يوميًا يتجسّد بوضوح في الشارع، لا سيما في طرابلس وعكار ومناطق الشمال. صحيح أن هذه المناطق لا تعيش الحرب بالمعنى العملي للكلمة، لكنها تتأثر بها بشكل مباشر، من خلال موجات النزوح واضطراب الواقع التعليمي، والفوضى وغياب الدولة، ما يضاعف أعباء المواطنين ويزيد من هشاشة الأمن والاستقرار.

هناك، يتقدّم مشهد الفوضى على ما عداه، مع ارتفاع ملحوظ في معدلات الجريمة، من سرقات متكرّرة إلى إشكالات مسلّحة، وانتشار مقلق للمخدرات، وتفلّت غير مسبوق للسلاح. في هذه المناطق، لم تعد السرقات حوادث فردية، بل تحوّلت إلى ظاهرة شبه يومية تطول المنازل والمحلات وحتى المارة، فيما تتأخر القوى الأمنية في التدخل أو تعجز عن مواكبة حجم الانفلات، ما يترك فجوة أوسع أمام تكرار الجرائم.

لا تقتصر الفوضى شمالًا  على الجانب الأمني، بل تشمل الأسواق والاقتصاد اليومي. فالأسعار ترتفع بلا رقابة، وكل تاجر يسعّر على هواه، فيما المواطن متروك تحت ضغط العيش المكلف. وتضيف أزمة الكهرباء عبئًا إضافيًا: وتمت زيادة سعر الكيلو واط لمولدات الاشتراك ناهيك عن أن فواتير الكهرباء باتت تحصّل بالدولار على سعر 89.500 ليرة، وهي فواتير تتجاوز قدرة معظم العائلات، ما يزيد من معاناة الناس ويجعل الاستقرار اليومي شبه مستحيل.

واقع البلديات

واقع بلديات الشمال من واقع الدولة، وأغلبها يعاني من شحّ الموارد المالية، ويُقال إن بعض المرشحين المحتملين للانتخابات النيابية الذين كانوا يساهمون بالتمويل أوقفوا دعمهم بعد التمديد للمجلس النيابي، ما يشير إلى إمكانية توالد أزمات جديدة في الأشهر المقبلة، وفي مقدمها أزمة النفايات، التي من المحتمل أن تعود لاكتساح الشوارع والطرقات والأزقة في مشهدٍ قديم جديد.

من زاوية إنسانية، ليس النازح وحده من يحتاج المساعدة، بل المضيف الذي يتحمّل استضافة العائلات النازحة بات اليوم بحاجة إلى دعم إضافي. كل هؤلاء يعيشون في ظل دولة غائبة، تضطرهم إلى البحث عن وسائل نجاة بديلة، من لجان أحياء إلى مبادرات فردية.

ويرى متابعون أن استمرار الفوضى بهذا الشكل بدون تدخل الدولة ستكون نتائجه كارثية. وإذا كانت الدولة غير قادرة على حصر سلاح "حزب الله"، فما الذي يمنعها من سحب السلاح المنتشر بين المواطنين في كل مكان؟ هذا السؤال يسلّط الضوء على هشاشة الدولة ووضعها غير القادر على فرض القانون وحماية المجتمع. لبنان اليوم لا ينجو لأنه قادر، بل لأنه مضطر. ومع كل يوم يمرّ في ظل هذا الانفلات، تتراكم الأزمات، ويكبر السؤال: من يعيد للدولة دورها قبل أن يصبح غيابها واقعًا دائمًا؟