أبو زهير

"برمة" صغيرة لتهدأ النفوس...

دقيقتان للقراءة

رحم الله جدّي وأسكنه فسيح جناته. أستذكره كثيرًا في هذه الأيام، وأتذكّر كلماته ومواقفه الحكيمة. كل موقف تمرّ فيه البلاد يعيدني بالذاكرة إلى تلك المواقف، وكذلك إلى سلوكه مع جدتي "المكيودة" التي تكاد لا تُطاق.

ستي لا يعجبها العجب، تتذمّر من أيّ قرار كان جدي يتخذه في المنزل، وتتحسّس من أيّ كلمة يقولها، فتطلق العنان لماكينة "النق"... ويقضيانها "دقي واعصري".

كنا نتدخل أنا وإخوتي ونتخذ دور "شيخ الصلح"... "أبو ملحم" حلّال المشاكل والأزمات على طريقة المسلسل اللبناني القديم. ما كانت تتنازل ستي عمّا تعتبره حقها إلاّ بعد تراجع جدّي رحمة الله عليه. في أغلب الخناقات كان يترك البيت، يخرج قليلًا ليتنزه، وغالبًا ما كان يقصد القهوة ليلعب "دق طاولة" مع أحد أصدقائه في المقهى المجاور لبيته، ثم يعود ليلًا.

أسأله: لماذا تخرج يا جدّي... واجه وتمسّك بموقفك؟ فكان يقول لي: "خلّي النفوس تروق".

موقف جدّي هذا يذكّرني بما حصل أمس مع السفير الإيراني، الذي طُرد بقرار من وزارة الخارجية اللبنانية. ذاك السفير وسفارته أعلنا أن قرار الخارجية اللبنانية "كأنه لم يكن". لم تتصرف إيران على طريقة جدّي. لم تأبه لخطر السلم الأهلي ولا لسلامة اللبنانيين... تصرفت كمن يؤجج الصراع ويطفئ النار بالبنزين.

لو كانت طهران، بحفنة المجانين الذين يحكمونها اليوم، حكيمة وواعية لمخاطر ما يمرّ به لبنان، لأذعنت وتفهّمت. لقالت إن السلم الأهلي في لبنان خطّ أحمر. لأعلنت صراحة أن هدفها الحقيقي هو حماية اللبنانيين... كل اللبنانيين. لم تفعل طهران ذلك. لم تقل إذا كان وجودنا سببًا لتدهور السلم الأهلي فنحن مستعدون للخروج ولو "برمة صغيرة ومنرجع لما تروق النفوس". لم تزِن طهران الأمر في عقلها، ولم تتفهم هَولَ الظروف وحجم الضغوط. بل آثرت تعميق الانقسام بين اللبنانيين لحدّ الانفجار.