أورور كرم

ترامب يتحكّم بالإيقاع من "خرج" إلى "هرمز"

4 دقائق للقراءة
يدير ترامب التصعيد على إيقاع مدروس (أ ف ب)

الرئيس الأميركي دونالد ترامب "محشور" تحت ضغط داخلي أميركي وضغط أوروبي وحتى عربي، وغير قادر على فرض فتح مضيق هرمز في ظلّ ارتفاع أسعار النفط وتخبّط الأسواق. هي رواية سادت في الأيام الماضية... لكن الردّ من ترامب جاء بكلمة واحدة قلبت المشهد.

بدل مهلة الـ 48 ساعة، منح ترامب إيران الإثنين خمسة أيام، معلنًا إجراء مفاوضات مع الجانب الإيراني، رغم نفي الأخير الموضوع. هو نفي بات فاقد الصدقية، فالنظام الإيراني سبق أن نفى مقتل المرشد الأعلى ليعود ويؤكد رحيله... والقافلة تطول وتطول.

هذه الخطوة، التي بدت للوهلة الأولى تمديدًا زمنيًا، حملت في الواقع رسائل أبعد بكثير وأعمق بكثير من ما يحلّله البعض. فالأسواق التقطت الإشارة سريعًا: أسعار النفط تراجعت بنسبة تجاوزت الـ 13 في المئة خلال وقت قصير الإثنين. هذا الانخفاض لم يكن تفصيلًا تقنيًا، بل مؤشرًا واضحًا على أن الأسواق لم تعد ترى في إيران لاعبًا قادرًا على فرض معادلة إغلاق مضيق هرمز والتأثير على التجارة العالمية، بل على العكس، بدأت تتعامل مع التهديد كأداة ضغط محدودة الفعالية.

وهنا تحديدًا، تكمن نقطة التحوّل: خطوة ترامب لم تكشف فقط قدرته على التحكّم بإيقاع التصعيد، بل أيضًا عن هشاشة الموقع الإيراني في هذه المواجهة. لكن الأهم، أن الوقائع الميدانية والسياسية تكذب السردية الإيرانية ولا تدعم أساسًا رواية "الحشر". فالتقارير الأخيرة تُظهر أن حلفاء واشنطن في الخليج لا يدفعون في اتجاه التهدئة، بل يسيرون تدريجيًا نحو تصعيد مشاركتهم في المواجهة.

صحيح أن دول الخليج العربية لم تدخل الحرب علنًا حتى الآن، لكن الاتجاه العام واضح: تصاعد في مستوى الدعم والضغط على الجمهورية الإسلامية، وليس هناك سعي إلى احتواء المواجهة. وهذا بحدّ ذاته ينسف فرضية أن ترامب يتعرّض لضغط عربي لوقف الحرب، بل على العكس، يضعه في موقع من يقود محورًا يميل أكثر نحو التعامل الحاسم مع الخطر الإيراني.

وبحسب تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز"، فإن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يدفع ترامب إلى الاستمرار في الحرب ضدّ إيران، معتبرًا أن الحملة العسكرية الأميركية - الإسرائيلية تمثل "فرصة تاريخية" لإعادة رسم الشرق الأوسط. وإذا كانت مهلة الأيام الخمسة قد أثارت تساؤلات، فإن توقيتها يقدّم جزءًا كبيرًا من الإجابة.

وليس من باب الصدف أن يتزامن تاريخ وصول قوات من مشاة البحرية الأميركية إلى المنطقة مع تاريخ انتهاء هذه المهلة، إذ تصل إلى الشرق الأوسط يوم الجمعة السفينتان الحربيتان الأميركيتان "يو أس أس تريبولي" و"يو أس أس نيو أورلينز"، ونحو 2200 من عناصر مشاة البحرية الأميركية من الوحدة الاستكشافية الـ 31 لمشاة البحرية لتدخل ضمن نطاق القيادة المركزية الأميركية، وفق تقرير لـ "وول ستريت جورنال".

ولم يتوقف الأمر هنا. البنتاغون أمر أيضًا بإرسال وحدة إضافية، هي الوحدة الاستكشافية الـ 11 لمشاة البحرية المتمركزة في كاليفورنيا، على متن مجموعة الجاهزية البرمائية التابعة للسفينة "يو أس أس بوكسر". وستغادر هذه الوحدة خلال بضعة أسابيع، لكنها لن تصل إلى نطاق القيادة المركزية إلّا بعد بضعة أسابيع من ذلك، وسط حديث عن عزم البنتاغون على نشر نحو 3000 جندي من "الفرقة 82" المحمولة جوًّا في المنطقة للمشاركة بعمل ما، من المرجّح أن يكون متمحورًا حول جزيرة خرج الاستراتيجية. بمعنى آخر، مهلة الأيام الخمسة لا تبدو تنازلًا، بل مهلة محسوبة، تتقاطع مع وصول التعزيزات العسكرية إلى مسرح العمليات.

في المحصلة، المشهد مختلف تمامًا عمّا يُروّج له المحور الإيراني. لا يبدو ترامب محشورًا، بل يدير التصعيد على إيقاع مدروس: ضغط اقتصادي عبر النفط، تحريك عسكري على الأرض، ودعم إقليمي متراص يتجه نحو الحسم لا التهدئة. أما السؤال الحقيقي اليوم، فليس ما إذا كان قادرًا على فرض شروطه، بل إلى أي مدى يمكن أن يذهب قبل أن تتحوّل هذه المهلة إلى لحظة الانفجار الكبير التي يسيطر فيها على جزيرة خرج، وبالتالي يفرض سيطرته الكاملة على مضيق هرمز ويزيل الخطر عن حلفائه العرب. فهكذا خطوة تعطي ترامب زخمًا كبيرًا من دون اجتياح بري لإيران، "خالعًا" من الديمقراطيين كل انتقاد ممكن أن يوجّهوه له.