ولئن كانت الحروب مرادفة للدمار والموت، إلا أنها تكون أحيانًا شرارة إلهام لأعمال فنيّة إبداعيّة تعبّر عن الواقع أو تُطلق رسالة حوله. هذا ما حدث مع مصمّم الأزياء اللبناني محمد بيروتي الذي استوحى من جولات الحروب القائمة في لبنان منذ 2023 مشروع تخرّجه الذي حمل عنوان "Dehydrated Tear" ولفت انتباه المصمّم اللبناني العالمي إيلي صعب فقرّر دعم موهبته.
محمد بيروتي شاب من شمال لبنان، تخرّج في الثانية والعشرين من عمره في اختصاص تصميم الأزياء بعد اختصاص أول في الهندسة الداخلية. بدأ اسم المصمّم الشاب يبرز في عالم الموضة سنة 2016 حين نال لقب الوصيف الأول في مسابقة "Beirut’s Young Fashion Designers Competition" ضمن "أسبوع الموضة في بيروت".
عام 2018، بدأ التعاون مع جمعيّات في مدينته طرابلس حيث عمل على تمكين النساء من خلال إشراكهنّ في إنتاج مجموعاته ضمن خطوة جمعت بين الإبداع والبُعد الاجتماعي. في العام التالي، وسّع نشاطه من تصميم مجموعات الملابس إلى ابتكارات لزبائن من القطاع الخاص. ثمّ في العام 2020، قدّم مجموعة مستوحاة من "ثورة 17 تشرين". ومع انتشار جائحة كورونا في العالم، أطلق مجموعة من القفاطين قدّمها من منزله في تجربة عكست قدرته على التكيّف مع الظروف الصعبة.
عام 2021، قادته تجربة شخصية مؤلمة إلى ابتكار "Romantic Melancholy"، وهي مجموعة ركّز فيها على أقمشة معاد تدويرها لصناعة ملابس صديقة للبيئة، مع مواصلة دعمه للنساء والتعاون معهنّ. وبعد أشهر قليلة، كشف عن مجموعة صغيرة بعنوان "Défoulement" استلهمها من رحلاته في أوروبا ومن تجربة شخصية خاصة. لاحقًا خلال العام نفسه، قدّم الجزء الثاني من مجموعة "Romantic Melancholy" التي استوحاها من سنوات الدراسة ومن علاقة مؤثرة جمعته بأستاذته الفرنسية. وقد صُوّرت هذه المجموعة في المدرسة التي أمضى فيها طفولته في الميناء - طرابلس، تأكيدًا واضحًا منه على ارتباطه العميق بالذاكرة والمكان والهوية.
بعد هذه المحطات نال محمد بيروتي منحة دراسيّة لمتابعة دراسات الماجستير بين باريس وإيطاليا، وقد تكلّلت رحلته الأكاديمية بالنجاح وبلغت ذروتها مع مجموعة مشروع التخرج بعنوان "Dehydrated Tear". هذا العمل المؤثر لفت المصمّم إيلي صعب الذي رأى في موهبة بيروتي تميُّزًا واعدًا، فقدّم له منحة دراسية جديدة لمتابعة درجة ماجستير ثانية في باريس.
اليوم، يوزع محمد بيروتي نشاطه بين لبنان وفرنسا حيث يواصل الدراسة، بالتوازي مع عمله على مجموعة جديدة يكشف عنها قريبًا.
إرهاق وصمود
مجموعة "Dehydrated Tear" (دموع مُجففة) تشكّل استكشافًا مفاهيميًّا للإرهاق العاطفي والصمود، استوحاها مصمّمها في خلال فترات الحروب التي يعيشها لبنان منذ عام 2023. وتستند التصاميم إلى السرديّة المستمرّة للبقاء وإعادة البناء التي تتبناها مؤسسة "Bayrouti" التي أسسها محمد ويديرها، وتعكس حالة تتجاوز الحزن المرئي حيث جفّت الدموع منذ زمن طويل، ولم يبقَ سوى تحمُّلٍ صامت وباطنيّ، وذلك بالاستناد إلى تجارب شخصيّة وجماعية شكّلتها النزاعات والذاكرة والنزوح حيث تُترجم أعماله المشاعرَ إلى ملمس من خلال الأسطح المتشققة والمواد المتآكلة والمراجع التشريحية. في صميمها، يصبح القلب البشريّ الواقعيّ رمزًا مركزيًا لم يعُد رومانسيًا، بل أصبح خامًا ومُواجَهًا محاطًا بالجفاف الذي يعكس المناظر الطبيعية القاحلة والألم الصامت.
معظم قطع المجموعة مُعاد تدويرها ومُستخرَجة من مواد مهمَلة، ما يمنحها حياة جديدة امتدادًا لفلسفة المجموعة القائمة على الولادة والتحوّل. ركّز المشروع أيضًا على المجتمع عن طريق العمل عن كثب مع خيّاطات وحِرَفيّات محليّات بهدف تمكينهنّ.
وتضمّ مجموعة بيروتي مواد غير تقليدية ورموزًا عميقة الدلالة: فستان كامل مصنوع من رباطات بلاستيكية (Zip ties) يرمز إلى الرهائن والتقييد؛ خرَز أحمر على الثياب يُوحي بدماء الأبرياء؛ فستان زفاف معاد تدويره ممزوج بقطعة قماش سوداء للتعبير عن فقدان الحبيب قبل الزواج أو بعده مباشرة؛ تصاميم مبنيّة من قمصان تعكس حالة الفرار من المنازل مع ما يمكن حمله من أغراض؛ وفستان مصنوع من اللاتكس المهمَل (Waste latex) مطرّز بالكامل يدويًا برسم لـ "يوم القيامة". كذلك طُوّرت بعض القطع أيضًا لتعكس فقدان أجزاء من الجسم بسبب الانفجارات، مترجِمة التفتت الماديّ إلى أشكال نحتيّة تواجه حقيقة الحرب على الجسد البشريّ. كما تستلهم المجموعة أيضًا من مراجع ثقافية وروحية، منها "الكفن" وهو القماش الذي يُلف به الميت قبل دفنه ليرمز إلى الكرامة والنهائية، وكذلك "لحظة صلب المسيح" مستحضِرًا التضحية والمعاناة والخلود.
بذلك ومن خلال مجموعة "Dehydrated Tear" يمزج محمد بيروتي بين الشعريّ والماديّ، مُبتكرًا قطعًا تجسّد التوتر بين الهشاشة والقوة، الغياب والحضور، الدمار والتجديد. وقد جرى تصميم قطعها وتطويرها وتنفيذها كقضيّة وطنية، وليس فقط كمشروع لمصمّم أزياء، وقد استُعين بالنص التالي للتعبير عن الفكرة:
"كيف بتجفّ هالدموع؟ أيمتا بيخلص طعم ميّة الملح بتمّنا؟ أعراس بلا معازيم وعروس بلا عريس. شو هالأرض اللي بتضلّا تخلق قصص عن عالم بتعيش كل حياتا بالمخاض. منلبس ومنجخّ ومنرقص ومنضحك، كل هيدا تترجع دموعنا تعيش بعينينا، تنرجع نبكي من أول وجديد".