هدوءٌ صباحيٌّ بدّدته غاراتُ المساء، التي عادت لتطال المنازل والمحالّ التجارية في القرى والبلدات. وقد رافق الغارات الحربية الإسرائيلية قصفٌ مدفعيٌّ مركّز طال قرى مجرى نهر الليطاني، أو ما يُعرف بخطّ المواجهة الأوّل في منطقة النبطية.
الأخطر تمثّل ببدء استخدام القذائف الفسفورية، التي لا تُخلّف أضراراً مباشرة في المنازل بقدر ما تُلحق دماراً واسعاً بالبيئة والتربة والزراعة. وقد استهدفت هذه القذائف بلدة يحمر، المواجهة مباشرة لبلدة الطيبة، حيث تدور معارك محتدمة بين "حزب الله" والجيش الإسرائيلي، وامتدّ القصف باتجاه بلدتي القنطرة ودير سريان.
غيّرت الحرب معالمَ كثيرٍ من القرى، ومع توسّع الغارات وحجم الدمار، تتركّز معظم الضربات على بلدات شريط مجرى الليطاني، وهي بلدات باتت شديدة الخطورة ويصعب الوصول إليها بفعل موقعها الجغرافي وكثافة القصف المدفعي والغارات الجوية. وقد نزح جميع سكّان هذه القرى، فيما تشير التقديرات إلى نزوح ما بين 70 و80 في المئة من أبناء منطقة النبطية. أمّا من بقي، فيواجه أخطار الحرب وغاراتها، التي باتت تطال المدنيين داخل منازلهم.
في حيّ المسلخ في مدينة النبطية، نجت عائلة مؤلّفة من 11 فرداً من الموت بعد غارة استهدفت منزلهم، فيما أسفرت غارة أخرى على منزلٍ مقابل مسجد حاروف عن استشهاد صاحبه وزوجته.
كما طالت الغارات في حاروف أحد أقدم المنازل التراثية، العائد إلى العام 1930، وهو منزل المفكّر العاملي مهدي عامل.
ومع دخول الحرب أسبوعها الرابع، بدأت تتوسّع رقعة معاناة الناس. فالحرب والاتصالات، بحسب توصيف أبناء المنطقة، لا يلتقيان؛ إذ باتت التغطية شبه معدومة في كثير من القرى، فيما يقترب شبح العزلة الاتصالية. ويناشد أبناء النبطية النواب متابعة ملف الاتصالات، خصوصاً أنّ المعلومات المتوافرة تشير إلى عدم تعرّض محطات الإرسال لأضرار، وعدم وجود نقص في مادة المازوت، في ظلّ توافر الكهرباء على مدار الساعة. ويطرح متابعون بلديون تساؤلات حول أسباب خروج المحطات عن الخدمة، مطالبين بالكشف عليها بمؤازرة الجيش اللبناني، كما يجري في حالات مماثلة مع شركة مراد.
ويعبّر أبناء المنطقة عن استغرابهم غياب نواب المدينة عن همومهم، معتبرين أنّهم "أداروا آذانهم الصمّاء لمعاناة الأهالي". يقول أبو علي: "تركُونا وحيدين، مدّدوا لأنفسهم واختفوا، فيما نحن نواجه أخطار الحرب وشحّ الموارد الغذائية".
في المقابل، لا يترك إسعاف النبطية الصامدين وحدهم، إذ يقدّم دعماً غذائياً وصحياً لما يقارب 200 عائلة ما زالت في المدينة. ويؤكد مسؤول الإسعاف مهدي صادق أنّ إمام المدينة الشيخ عبد الحسين صادق أوصى بالوقوف إلى جانب الأهالي في هذه المحنة الصعبة.
كما يقوم إسعاف بيت الطالب بدور مماثل، من خلال توزيع حصص غذائية يومية، في إطار مبادرات تهدف إلى دعم الصامدين ولو بالحدّ الأدنى. ويشير وسيم بدر الدين إلى أنّ أبناء النبطية المقتدرين يمدّون يد العون لأبناء مدينتهم لمواجهة تداعيات الحرب الاقتصادية.
ويأسف أبناء المنطقة لأنّ الدعم المتوافر يأتي في غالبيته من مبادرات فردية، في ظلّ غياب شبه كامل للنواب. في هذا السياق، يلعب اتحاد بلديات الشقيف دوراً في دعم الصامدين، إذ يقول رئيسه خالد بدر الدين إنّ الدعم الدولي لا يزال شبه غائب، وإنّ ما يصل لا يتناسب مع حجم الحاجة. ويضيف أنّ هناك نحو 13 ألف عائلة صامدة في 29 قرية تابعة للاتحاد، وأنّ ما يتمّ توزيعه يومياً لا يتجاوز 1200 ربطة خبز و300 حصة غذائية، وهو رقم متواضع قياساً بعدد الصامدين، داعياً الجهات المانحة إلى التحرّك العاجل.
في المقابل، تغيب معظم بلديات منطقة النبطية عن دعم الأهالي، باستثناء قلّة تحاول إدارة شؤون الناس خلال الحرب، لا سيما في معالجة أعطال الكهرباء والمياه بالشراكة مع المؤسسات الرسمية، مع حضور لافت لعمّال شركة مراد في إصلاح الشبكات بمؤازرة الجيش اللبناني.
باتت منطقة النبطية اليوم منطقة شديدة الخطورة، إذ تُعدّ خطّ مواجهة متقدّماً بعد قرى الحافة الأمامية. ويتحدّث الإسرائيلي عن منطقة عازلة بعمق 8 كيلومترات، يكون نهر الليطاني حدّها الجنوبي، ما يعني عملياً أنّ جغرافيا النبطية قد تتحوّل إلى ساحة مواجهة أولى. ويخشى الأهالي من سيناريو يعيد المنطقة إلى ما قبل العام 2000، من احتلال للمرتفعات وتهجير للقرى. وربما هذا الخطر تحديداً ما يدفع كثيرين إلى البقاء وعدم النزوح، بانتظار ما ستكشفه الأيام المقبلة من ملامح هذه الحرب المفتوحة.