أمل شموني

البقاء هو كلّ ما تملكه طهران

5 دقائق للقراءة
إيران تُصوِّر بقاء أشلاء من نظامها على أنه انتصار (أ ف ب)
واشنطن

منذ بدء عملية "الغضب الملحمي"، برزت عبارة "عدم الخسارة" مرارًا وتكرارًا في نقاشات المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران. للوهلة الأولى، تبدو العبارة متكافئة - خصمان يسعيان إلى تجنب الهزيمة. لكنها في الواقع تُبرز خللًا جوهريًا. فبالنسبة إلى أميركا، يُعدّ عدم الخسارة مجرّد خط الأساس لاستراتيجية أوسع تهدف إلى استعادة الردع، وحماية الحلفاء، وتشكيل النتائج الإقليمية. أما بالنسبة إلى إيران، فإن عدم الخسارة هو الاستراتيجية بحد ذاتها - اعتراف ضمني بأن البقاء، لا النجاح، هو ما يُحدّد طموحاتها.

ويقول دبلوماسيون أميركيون إن هذا التمييز حاسم، فهو لا يكشف مرونة إيران، بل النفس الطويل لديها، إذ إن أحد الجانبين يُناور لفرض تكاليف استراتيجية وتغيير السلوك، بينما يُكافح الجانب الآخر لتحمّل ضغوط لا يستطيع عكسها بفعالية.

ففي هذه الحرب غير المتكافئة، قدرة طهران غير متكافئة أيضًا. ويشير خبراء أميركيون في الشأن الإيراني إلى أن الصراع الحالي يتبع الخطوط العريضة المألوفة للحرب غير المتكافئة، ولكن مع تحفظ بالغ الأهمية. فبرأيهم، يبدو أن التفوّق العسكري التقليدي الساحق لأميركا لا يُجبر إيران على القتال بأسلوب مختلف فحسب، بل يُضيّق خيارات طهران باستمرار.

ويلفت مسؤول سابق في البنتاغون إلى أنه بعد عجزها عن منافسة القوة الجوية الأميركية، أو تفوقها الاستخباراتي، أو نطاق تحالفاتها، عادت إيران إلى أدواتها المألوفة: الصواريخ، والطائرات المسيّرة، والقوات الوكيلة، والمماطلة. هذه ليست أدوات للسيطرة على التصعيد أو للمبادرة الاستراتيجية، بل هي أدوات تعويضية، مصمّمة لإخفاء الضعف لا لإظهار القوة.

يؤكد دبلوماسي أميركي أنه بالنسبة إلى واشنطن، النجاح تراكمي وقابل للقياس، ويكمن في إضعاف قدرات "العدو"، واستعادة حرية الملاحة، وطمأنة الحلفاء، وإثبات أن الهجمات على المصالح الأميركية تُكبّد طهران تكاليف باهظة. في المقابل، خفضت إيران تعريفها للنجاح إلى الحدّ الأدنى. فقد أصبح الحفاظ على ما تبقى من القدرات وتجنب الانهيار بديلًا عن الإنجاز الاستراتيجي... وهذا ليس دليلًا على التوازن، بل هو دليل على الإنهاك الاستراتيجي.

من هنا برزت قوة الصواريخ الباليستية الإيرانية كأهم محور تركيز في المرحلة الحالية من الصراع، ليس لأنها تمثل قوة إيرانية، بل لأنها إحدى الأوراق القليلة المتبقية التي لا تزال طهران قادرة على استخدامها. ويشير مسؤول سابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية إلى أن هذه الأنظمة تُشكل ركيزة أساسية لخطاب الردع الإيراني تجاه إسرائيل وأميركا. لذا، فإن تآكلها المستمرّ له عواقب استراتيجية وخيمة على طهران، خصوصًا أن العمليات الأميركية والإسرائيلية تجاوزت الضربات الرمزية، فهي تستهدف بشكل منهجي المخزونات ومراكز الإنتاج، والأهم من ذلك، البنية التحتية المتنقلة للإطلاق التي لطالما دعمت بقاء إيران. كلّ منصّة إطلاق مُدمّرة تُقلّل من قدرة إيران على التهديد على نطاق واسع، وكلّ خط إنتاج مُعطّل يُطيل فترة التعافي.

مع تضاؤل الخيارات التقليدية، ازداد اعتماد إيران على العنف الذي يُمكن إنكاره. وقد تورّطت شبكات مرتبطة بإيران في مؤامرات في أنحاء الشرق الأوسط وأوروبا الشهر الحالي، وتم إحباط العديد منها قبل تنفيذها. وبحسب خبراء أميركيين، لا يُشير هذا التحوّل إلى الإرهاب إلى ثقة، بل إلى قدرة على التكيّف. فهذه العمليات ليست مُصمّمة لتغيير التوازن العسكري، بل تهدف إلى إحداث ضجيج وتشتيت انتباه وتوتر سياسي بكلفة منخفضة. وتعوّض إيران عجزها عن مواجهة القوة الأميركية بشكل مباشر باللجوء إلى تكتيكات تظهر تاريخيًا عندما تفقد الدول حرّية التصرّف.

لا يوجد مكان تتجلّى فيه حالة إيران المتدهورة بوضوح أكثر من لبنان، يقول دبلوماسي أميركي، إذ لطالما كان "حزب الله" الوكيل الأكثر فعالية لطهران وقوة ردعها الخارجية الرئيسية... إلّا أن هذه المكانة تتلاشى، فيما يؤكد المراقبون في مراكز الأبحاث الأميركية أن العمليات الإسرائيلية بدأت تتجاوز التبادلات الدورية نحو إضعاف منهجي لقوة صواريخ "حزب الله"، وهياكله القيادية، ووحداته النخبوية. الهدف ليس عقابًا رمزيًا، بل تقليص دائم، وخلق ظروف لا يستطيع "حزب الله" في ظلّها تهديد إسرائيل بشكل موثوق وعلى نطاق واسع.

تشير هذه التقييمات الأميركية إلى أنه بالنسبة إلى إيران، يُنظر إلى بقاء "حزب الله" بأي شكل من الأشكال على أنه دليل على استمرار "محور المقاومة". في الواقع، "حزب الله" الذي يُجبر على التخفي والاستنزاف واتخاذ وضعية دفاعية، هو رصيد ضعيف. فالوكيل الذي ينجو، ولكنه لا يستطيع الهيمنة، لم يعد يمثل معادلة استراتيجية، بل يتحوّل استنزافًا للموارد.

توازيًا، يلفت المحلّلون الأميركيون إلى أن واشنطن تعمل في بيئة سياسية مختلفة. فالأهداف الواضحة، وإدارة التحالفات، والتصعيد المدروس تمكّنها من ممارسة الضغط من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، خصوصًا أن استراتيجية إيران الأهم تعتمد على "أمل/مبدأ" إرهاق الأميركيين.

في محصّلة التقييمات في واشنطن، أصبح "عدم الخسارة" هو الحدّ الأقصى للطموح الإيراني. فطهران تُصوِّر بقاء أشلاء من نظامها على أنه انتصار، إذ لا سبيل ممكنًا للتراجع أو النصر.