يطلّ أحد الشعانين على متبعي التقويم الغربي في لبنان غدًا مثقلًا بما لا تشتهي الأنفس. فبين طبول حرب لا يريدها اللبنانيون، وانهيار اقتصادي لم يترك للبهجة مطرحًا، جاء الطقس العاصف والممطر ليعمق الغصة معرقلًا مخططات الأهالي في إتمام مسيرات الشعانين التقليدية، وليحول دون استعراض ملابس العيد التي استنزفت الميزانيات.
في جولة على الأسواق، تصدمك الأرقام؛ فشمعة الشعانين المزينة بالكاد، يلامس سعرها عتبة الـ 8 دولارات. أمام هذا الواقع، يبدو أن غصن الزيتون المتواضع سيتصدر المشهد، ليحل مكان الشموع الباذخة التي باتت تكلفتها ترهق كاهل رب أسرة يصارع لتأمين ثمن ربطة الخبز. غصنٌ بسيط، هو في الأصل رمز السلام الذي ننشده، سيحمله الأطفال ليعيدنا قسرًا إلى جوهر العيد بعيدًا من استعراض الشموع.
أما في قطاع الثياب، فالخيارات في السوق ليست واسعة، والأسعار نارية. إذا أردت تجهيز طفلة بفستان مع "كولان" و "جاكيت" وحذاء أو "بالورين"، فلن تقل الفاتورة عن 60 دولارًا بالحد الأدنى، وهو رقم ينسحب أيضًا على البدلة الكاملة للصبيان.
وتحت وطأة هذه التكاليف، سادت نغمة واقعية بين الأمهات: "بالموجود جود". سمعنا الكثير من السيدات يقلن بوضوح: "سنلبسهم ما هو جديد في خزانتهم ولو لم يكن مخصصًا للشعانين". حتى تلك الثياب التي لبسها الأطفال سابقًا ولم "تُؤرشف" صورها بعد على "إنستغرام" (خوفًا من تهمة التكرار "المعيبة" في عرف البريستيج اللبناني)، ستخرج من الأدراج لتؤدي المهمة.
طبعًا، هناك فئة من الناس لم تتأثر، أو ربما تأثرت لكنها تصر على العيش "فوق الواقع"، وكأن شيئًا لم يكن. نحن اللبنانيين نحب المظاهر، وهذا ليس بجديد. لكن، لا تصدقوا أن هؤلاء يشكلون عددًا كبيرًا، ولو أوحى البعض منهم أنهم كذلك "أمام الكاميرا".
رغم كل هذا السواد، يبقى الأطفال هم الاستثناء الوحيد. هم لا علاقة لهم بخرائط الحروب ولا بالأسعار المتطايرة. وكما قال السيد المسيح: "دَعُوا الأَوْلاَدَ يأتون إليَّ ولا تمنعوهم، لأن لمثل هؤلاء ملكوت الله". لأجل عيونهم، سنحتفل، ولو بملابس قديمة، ولو تحت المطر، لأن ضحكتهم هي "الهوشعنا" الحقيقية التي لا تُشترى بمال.
قد تكون شعنينة هذا العام أقرب إلى ذلك اليوم الذي دخل فيه المسيح أورشليم؛ بلا ماركات عالمية ولا شموع مرصعة، بل بقلوب بسيطة وأغصان شجر. ورغم أن الأسباب التي أوصلتنا إلى هذا التقشف ليست اختيارية، إلا أنها تحقق جوهر العيد.
في الختام، ومع زخات المطر وبرد الطقس، تبقى الصلاة واحدة: أن تمر هذه العاصفة عن لبنان، وتكون "شعنينة مباركة" على الجميع، مهما كانت الظروف.