ريتا عازار

أرنب الفصح دبلوماسيًّا ولبنان عاصمة "شوكولا السلام"

7 دقائق للقراءة

يبدو أن البشريّة استنفدت كلّ الحلول المعقولة وربما غير المعقولة أيضًا. فبعد الدبلوماسيين والجنرالات والمؤتمرات الدولية وقرارات "الأمم المتحدة" والقمم التي تُقدَّم فيها المقبّلات الصغيرة بينما تبدو أكثر صلابة من اتفاقات وقف إطلاق النار، تقرّر أخيرًا اللجوء إلى خيار أكثر واقعية: اختياري أنا، أرنب عيد الفصح المصنوع من الشوكولا.

أنا لا أملك جيشًا ولا حق النقض في "مجلس الأمن" ولا بدلة داكنة أرتديها لِأهز رأسي بوقار أمام الخرائط. كلّ ما لديّ أذنان طويلتان وسلّة من البيض وسِجلٌّ دبلوماسيّ خالٍ تمامًا من أي فشل، وهو إنجاز لا يستطيع كثيرون التباهي به. ففي هذه المنطقة من العالم حيث يتكلّم الجميع بصوت مرتفع، وحيث تتحوّل كلّ كلمة بسرعة إلى راية خفاقة أو تهديد أو ذكرى جريحة، قد يصبح ظهور أرنب من الكاكاو لحظة نادرة. إنها لحظة الدهشة، والدهشة أحيانًا تكون بداية التفكير.


قوة السخرية

الخطوة الأولى في خطّتي تقوم على أمر واضح: فرْضُ شيء من الطرافة. ليس المقصود الإهانة، فالشرق الأوسط عرف ما يكفي منها، بل تلك السخرية اللطيفة التي تذكّر البشر بأنهم فانون، قابلون للخطأ، وقليل من العبث يسكن حياتهم. تخيّلوا أن قادة عسكريّين يُستدعَون على عجل، يدخلون قاعة استراتيجية ويتوقعون رؤية جنرال أميركي أو مبعوث أوروبي أو ربما وسيط قطَريّ، لكنهم يجدون أمامهم أرنبًا من الشوكولا يجلس خلف الطاولة.

ردّة الفعل تكون دائمًا متشابهة: صمْت في البداية، ثم ابتسامة متوترة، ثم ضحكة يحاول الجميع كتمها لأن الحرب، كما يقال دائمًا، مسألة جديّة. هذه اللحظة بالذات هي ما أبحثُ عنه، فالإنسان الذي يضحك لا يستطيع في اللحظة نفسها أن يضغط على الزناد، على الأقل ليس بكفاءة عالية.


هدنة بطعم الحلوى

بعد ذلك أفرضُ قاعدة بسيطة: كلّ مفاوَضة ينبغي أن تتمّ بينما يتناول المشارِكون الشوكولا، لا ملفات ثقيلة ولا إحصاءات ولا خطب تاريخية تعود إلى زمن الإمبراطورية العثمانية. فهذه الأمور، كما ثبت، لا تتحسّن مع الشوكولا. كما يحصل كل مشارك على بيضة ملوّنة من عيد الفصح، وطالما أن المفاقسة لم تجرِ بعد، يُمنع الحديث عن الحدود أو الصواريخ أو عمليّات الردّ. وبدلًا من ذلك يدور الحديث حول أمور أخرى: عن القهوة اللبنانية، عن البحر في مدينة صُور، عن ازدحام السَّير في بيروت، عن الأمّهات اللّواتي يتصلن كثيرًا للاطمئنان.

وبعد عشرين دقيقة يحدث أمر متكرِّر بشكل مريب: يكتشف الخصوم أنهم يشتركون في الشكوى نفسها، مثل انقطاع الكهرباء وهي لحظة مربكة، لأن من الصعب تبرير حرب طويلة بينما الجميع ينتظر المولِّد.


تبادل البَيض

فكرتي الثالثة تتعلّق بالتنظيم. إذ تعتمد الحروب الحديثة على سلاسل إمداد مُعقدة، تضمّ الصواريخ والوقود وقطع الغيار والاتصالات المُشفرة. وكلّ ذلك يحتاج إلى تنظيم دقيق، أما أنا فسأستبدل جزءًا من هذه الآلية بآلية أخرى، وهي توزيع كميات هائلة من بَيض عيد الفصح. ستحصل كلّ منطقة على مخزون كبير، لكن ستكون هناك قاعدة واضحة. لا يمكن أكل البَيض إلا بعد تبادل المفاقسة مع شخص من الجهة الأخرى من خط الجبهة. إذا لم يحدث تبادل فلن يحدث مرور، وسيتحوّل النزاع تدريجيًا من صراع سياسي مُعقد إلى مشكلة لوجستية مزعجة تتعلق بمَن يملك بيضًا أكثر ولا يستطيع أكله.

قد تقولون إن هذه حيلة ساذجة. ربما. لكن التاريخ الإنساني يبيّن أن العديد من الحوارات بدأت بأمر بسيط مثل تبادل الطعام، الخبز والملح في الماضي أو قطعة "Praliné" اليوم.


الأطفال في الميدان

أنا أرنب عيد الفصح، ولهذا فإن جمهوري الطبيعي هم الأطفال. لهذا سأبدأ بهم، في كلّ المدن اللبنانية، سواء كانت سنيّة أو شيعية أو مسيحية أو درزية، أو ببساطة مدنًا متعَبة. سأُنظم أكبر عملية مفاقسة بالبيض في العالم. الأطفال سيركضون ويفاقسون في الحدائق والأزقة والتلال، والكبار سيكتفون بالمشاهدة. أما المسلّحون فسيُدعَون أيضًا، ولكن من دون سلاح، وهو وضع غريب سيكتشف فيه بعضهم لأوّل مرة أن أيديهم خفيفة أكثر ممّا ظنوا.


تعب الأبطال

هناك مشكلة أخرى في الحروب الطويلة، أنها لا تكتفي بالدمار، بل تُنتِج أيضًا كمّية محترَمة من الأبطال. كلّ طرف يصنع أبطاله وشهداءه وقصصه المجيدة، ومع الوقت يصبح الدفاع عن الرواية أهم من الواقع نفسه، وهو أمر مريح إلى حدّ ما، لأن الروايات لا تنقطع فيها الكهرباء ولا تحتاج إلى إعادة إعمار.

لذلك أقترحُ تعديلًا بسيطًا في طريقة السَّرد. في المدارس، وبدلًا من الاكتفاء بالمعارك والمآسي، يمكن أيضًا تدريس اللحظات الأقل بطولة، كالجنرالات الذين أضاعوا الطريق، والخطب العظيمة التي تبخرت في اليوم التالي، والتحالفات التي بدت فكرة جيّدة لمدّة خمس دقائق تقريبًا.

سأصبح أنا، أرنب الشوكولا، راعيًا رسميًّا لهذا المنهج. ليس الهدف إنكار الألم، بل وضعه في حجمه البشريّ الحقيقيّ، حيث تختلط المأساة بشيء من الارتباك وسوء الفهم وقليل من الحظ السيئ. وعندما يستطيع شعب أن يبتسم قليلًا وهو ينظر إلى ماضيه، يصبح أقلّ قابلية لأن يُخيفه ذلك الماضي وأكثر قدرة على تجاوزه.


الدبلوماسيون ونظام الكاكاو

بطبيعة الحال، لا بد من التعامل مع الدبلوماسيين أيضًا. الدبلوماسيون شجعان، لكنّ لديهم عيبًا واحدًا، أنهم يتحدّثون طويلًا، طويلًا جدًا، وأحيانًا يستغرقون وقتًا طويلًا إلى درجة أن الحرب تتغيّر بينما هم ما يزالون يكتبون النسخة الثالثة من الفقرة الثانية. لذلك، سأفرض قاعدة مستوحاة من طبيعة الشوكولا، فكلّ اجتماع دبلوماسيّ ينبغي أن يخرج بنتيجة قبل أن يذوب أرنب عيد الفصح الموضوع في وسط الطاولة تحت أضواء القاعة. لِنقُلْ إن المهلة ساعتان، فإذا لم يجرِ التوصّل إلى اتفاق، يُعاد الاجتماع في اليوم التالي مع أرنب جديد. لكن لا ينبغي لأحدٍ أن يرى أرنبًا يذوب بلا فائدة، بخاصة إذا كان سعره مرتفعًا، وهذا وحده كفيل بدفع بعضهم نحو السلام.


اقتصاد اللّطف

غالبًا ما تزدهر الحرب لأنها تغذي اقتصادًا كاملًا يقوم على السلاح والتمويل والتهريب والمكانة السياسية. أما أنا فأقترح إنشاء اقتصاد منافِس، وهو اقتصاد الحلاوة. يمكن للبنان أن يصبح العاصمة العالمية لشوكولا السلام. تظهر تعاونيات وصناع شوكولا وشركات تصدير، وتحمل كل قطعة شوكولا اسمًا متفائلًا مثل "هدنة بالبندق" أو "اتفاق بالكراميل" أو "وقف إطلاق النار بالـ Praliné"، قد يبدو الأمر رمزيًا، لكنه أيضًا لذيذ، وهذه ميزة تفتقر إليها معظم المبادرات السياسية. وعلى الهامش أيضًا، الشوكولا يدرّ أرباحًا أكثر من الصواريخ كما أنه أقل ميلًا للانفجار في غير وقته.


السؤال الكبير

من المؤكد أن بعض المراقبين الجادّين سيرفعون أكتافهم استغرابًا. سيقول البعض إن الصراعات أعقد من أن يحلّها أرنب من الشوكولا، وهم مُحقون تمامًا. لكن المشكلة أن الحلول "الجدّية جدًّا" جُرّبت بما يكفي لتثبت أنها قد تفشل لعقود، فلماذا لا نجرِّب شيئًا عبثيًّا قليلًا؟ فالعبث يملك ميزة نادرة، إذ يُربك اليقينيات لبعض الوقت، والحرب غالبًا ليست سوى تراكم طويل من اليقينيّات.


اليوم التالي

لنتخيّل حدوث معجزة صغيرة، أو ربما جرعة زائدة من الكاكاو، فتسكت الأسلحة. ماذا سأفعل أنا أرنب عيد الفصح حينها؟ لا شيء استثنائيًا، سأختفي فقط. السلام ينبغي أن يكون ملكًا لأهل البلد أنفسهم، لا لأرنب، مهما كانت جودة الشوكولا التي صُنع منها.

سأترك فقط تقليدًا صغيرًا: كلّ عام في الربيع، سيُحدَّد يوم تؤكل فيه آذان أرانب الشوكولا. سيلتهم الأطفال الشوكولا في الحدائق بينما يبتسم الكبار. وربما يروي أحدهم تلك القصة الغريبة، قصة أرنب حاول إيقاف حرب، ونجح على الأقل في شيء واحد، وهو أن جعل الناس يضحكون في وقت لم يكن فيه شيء يُضحِك!