روجيه نهرا

رسالة دعم وتضامن من السفير البابوي في لبنان لابناء القرى المسيحية الصامدة في مرجعيون

8 دقائق للقراءة
مرجعيون

في ظلّ الظروف الدقيقة التي تمرّ بها القرى الحدودية المسيحية في جنوب لبنان، تكتسب زيارة السفير البابوي في لبنان، المطران باولو بورجيا، إلى قرى مرجعيون وحاصبيا، بُعدًا إنسانيًا وروحيًا عميقًا، يتجاوز إطار الزيارة البروتوكولية ليشكّل رسالة حيّة من التضامن العالمي مع أبناء هذه الأرض الصامدة.

إن جولته بما رافقها من مبادرات إنسانية، وفي طليعتها قافلة كاريتاس لبنان، تؤكد أن لبنان، رغم جراحه، لا يزال حاضرًا في ضمير العالم، وأن الإنسان اللبناني ليس متروكًا في مواجهة مصيره، بل محاط بشبكة دعم إنساني وروحي تعزّز صموده وتثبّته في أرضه.

لقد عكست اللقاءات مع الأهالي في كوكبا، جديدة مرجعيون، والقليعة صورة ناصعة عن إرادة الحياة المتجذّرة في هذه القرى، حيث يتمسّك الناس بأرضهم رغم القصف والتحديات، مستمدّين قوتهم من إيمانهم العميق، ومن حضور الكنيسة إلى جانبهم، ومن دعم الجيش اللبناني الذي يبقى الضامن الأساسي للأمن والاستقرار.

وللمرة الثانية في غضون اقل من شهر، تفقد السفير البابوي في لبنان المطران باولو بورجيا على رأس وفد كنسي ومؤسسات محلية اهالي القرى المسيحية الصامدة في قرى قضاءي مرجعيون وحاصبيا في ظل استمرار المعارك العسكرية الدائرة بين حزب الله واسرائيل.

وفي مشهد يعكس عمق التضامن الإنساني والوطني، نظمت رابطة كاريتاس لبنان قافلة مساعدات إنسانية باتجاه عدد من القرى الحدودية في جنوب لبنان، في مبادرة تهدف إلى الوقوف إلى جانب العائلات المتضرّرة وتعزيز صمودها في أرضها، في ظل التحديات المتفاقمة التي تشهدها البلاد.

وترأس هذه المبادرة سعادة السفير البابوي في لبنان المطران باولو بورجيا، إلى جانب رئيس رابطة كاريتاس لبنان الأب سمير غاوي، بمشاركة ممثلة وزير الصحة السيدة رندا حمادة، وممثلين عن المؤسسات الشريكة ولفيف من المطارنة والكهنة والراهبات، في تأكيد واضح على وحدة الجهود في خدمة الإنسان وكرامته.

بلدة كوكبا في قضاء حاصبيا كانت محطة السفير البابوي الاولى للمنطقة حيث التقى في ساحة الكنيسة الاهالي ورئيس البلدية ايلي ابو نقول ورئيس اتحاد الحاصباني رئيس بلدية حاصبيا لبيب الحمرا ومخاتير المنطقة، وقد نوه رئيس البلدية بجهود سعادة السفير لدعم صمود الاهالي.

وانتقل السفير البابوي وسط مواكبة امنية شديدة لقوات الطوارئ اليونيفيل والجيش اللبناني الى جديدة مرجعيون حيث اطلع السفير البابوي على اوضاع اهالي البلدة خلال لقاء عقد في مبنى ثانوية راهبات القلبين الاقدسين بمشاركة رئيس البلدية سري غلمية الذي نوه بالزيارة قائلا:" هذا اليوم متميز بمبادرتكم الكريمة ووجودكم الى جانبنا في هذه الاوقات الصعبة لا بل العصيبة وان حضوركم يمثل رسالة دعم حية وعلامة تضامن صادقة تعزز صمود اهلنا".

واضاف:" نلتقي اليوم في بلدة كانت وستبقى نقطة ارتكاز في هذه المنطقة المعروفة الاهمية، وفي ارض مقدسة تستحق كل الدعم والمساعدة، ونلتقي اليوم مجدداً لننوه بجهودكم المباركة ونثمن عاليا متابعتكم الحثيثة لاوضاع أهلنا وبلداتنا، سعياُ الى تخفيف المعاناة وتعزيز مقومات الصمود، وأمل رئيس البلدية في زمن البشارة وعلى مشارف عيد الفصح ان يحمل هذا العيد قيامة حقيقية لواقع جديد مفعم بالسلام والطأنينة والأمان.

وتمنى رئيس البلدية العمل على توفير مقومات الصمود التي تفتقرها جديدة مرجعيون وبخاصة المياه والاتصالات الهاتفية الارضية والانترنت لانها تعطلت جميعها بسبب القصف، مشيرا الى انه وعلى الرغم من كل الجهود التي تبذلها البلدية فأننا لم نتمكن من تأمين التصليحات المطلوبة.

وقال السفير البابوي في لبنان انقل لكم تحيات الحبر الاعظم البابا لاوون الرابع عشر الذي يتابع بدقة مجريات الامور ويعمل دون كلل لابعاد الضرر عنكم وعن عائلاتكم وانا بدوري اشكركم وانا حاضر معكم والى جانبكم في هذه الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد، واعتبر ان وجود الكنسية وكل الجمعيات التي تساعد اهالي المنطقة في هذه الظروف هو مؤشر تضامن ومحبة، واكد ان عمل الخير لا حدود له ولا يقتصر على فئة معينة من الناس بل علينا ان نساعد الجميع دون تمييز فهذا هو الحب الحقيقي وانا اعلم انكم تعيشون هذا الحب واطلب من يسوع المسيح ان لا يجعل قلوبكم كالحرب قاسية بل تبقى تحب الآخر من كافة الديانات وكافة المجتمعات، لان السلام هو الاساس وعلينا جميعا ان نعمل من اجله.

وفي بلدة القليعة التي وصلها السفير البابوي قرابة الساعة الثانية والربع، كان له في استقبال حاشد تقدمه رئيس البلدية حنا ضاهر، خادم الرعية الخوري انطونيوس فرح وحشد من ابناء البلدة والقرى المجاورة.

بعد كلمات ترحيبية القى رئيس البلدية قال فيها: "في هذا الأسبوع المبارك، أسبوع "بشارة العذراء"، يسعدني باسمي وباسم أعضاء المجلس البلدي وأهالي بلدتنا الحبيبة، أن نرحب بكم في بلدتنا الصامدة القليعة."

وأضاف, "إن حضوركم بيننا اليوم كممثل لقداسة البابا، هو علامة عناية فائقة وتجسيد لرسالة السلام التي يحملها العالم، التي نحتاجها ونطلبها للبنان اليوم أكثر من أي وقت مضى. نرفع معكم الصلاة لعلّ هذا الأسبوع يكون فاتحة لسلامٍ أبدي وثابت ينهي زمن الحروب والمآسي، ويؤسس لاستقرارٍ يليق بكرامة الإنسان في قرانا وفي كل لبنان".

واستطرد : "نستذكر في هذه الزيارة، وبكل إجلال، الأب الراحل بيار الراعي، الذي كان مثالاً للراعي الصالح والخدمة المتفانية، وقد امتزجت دماؤه بدماء شهداء بلدتنا، فصار رمزاً للتضحية والإيمان، وبصمةً روحية وإنسانية خالدة في وجدان القليعة وأبنائها".

واكمل: "إن الكنيسة كانت ولا تزال "صوت من لا صوت له". وبما أنكم تحملون هموم هذا الشعب إلى الكرسي الرسولي، نضع بين أيديكم تطلعات بلدتنا، ونشير إلى بعض المطالب التي نأمل أن تصل عبركم إلى مراكز القرار والمنظمات الدولية :

تفعيل الحماية الدولية للبنان "الرسالة" عبر الوصول إلى الضمير العالمي من خلال منبر الفاتيكان، لضمان تحييد قريتنا عن الصراعات العسكرية المباشرة، حفاظاً على أرواح السكان الذين اختاروا البقاء في منازلهم."

دعم القطاع التربوي في الوضع الراهن لإقامة مدارس رديفة مؤقتة، خاصة للطلاب الذين عانوا ولا يزالون يعانون جراء الأزمات المتتالية.

التدخل لدى الجهات المعنية (الدولية والمحلية) لضمان بقاء واستمرار وجود الجيش اللبناني في منطقة القليعة والحوار، باعتباره الضامن الشرعي الوحيد لأمن المدنيين، ومنع تعرض البلدة لأي اعتداء أو تهجير قسري

بدوره شدد السفير البابوي على انه بالرغم من كل الصعوبات التي تحيط بكم وعدم ضمان المستقبل اتضح لي قوة الايمان الموجودة في قلوبكم وخاصة بعد استشهاد الاب بيار الراعي كاهن رعية مار جرجس القليعة.

اضاف نحن نشعر اليوم كما شعر تلاميذ المسيح داخل السفينة، فالايمان القوي هو رؤية النور بالرغم من الظلام الداكن وهذا النور هو الذي يساعدنا على الثبات والبقاء ومواجهة الصعاب وانا اشبّه الايمان بهذه الشجرة التي تسمى لبنان واعتبر ان الشجرة دون جذور مهما على شأنها ستسقط وانتم هذه الجذور وايمانكم الذي يقوي الجذور ويساعد الشجرة على البقاء والاستمرار.

واكد بدوره ان النظر الى الرجاء وفسحة الامل في آخر النفق يساعدننا على البقاء والاستمرار مدركين ان لهذه المعاناة نهاية، بمعونة يسوع المسيح ومساعدة وزارة الصحة وبرعاية قداسة الحبر الاعظم البابا لاوون الرابع عشر وكافة المعنيين استطعنا تأمين مساعدات طبية لمساعدة الناس والتخفيف عن معاناتهم.

وتندرج هذه الخطوة ضمن الاستجابة الإنسانية المستمرة التي تنفّذها رابطة كاريتاس لبنان، والتي تضع الإنسان في صلب رسالتها، من خلال دعم العائلات اللبنانية الأشد حاجةً ومرافقتها في مختلف الظروف.

وتؤكّد الرابطة أن دعم الأهالي في مناطقهم لا يقتصر على تلبية الاحتياجات الآنية فحسب، بل يهدف أيضًا إلى تعزيز صمودهم وتمكينهم من البقاء في أرضهم، باعتبار ذلك عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على النسيج الاجتماعي والهوية الوطنية.

وفي ظل الظروف الراهنة، تجدّد كاريتاس لبنان التزامها الثابت بمواصلة عملها الإنساني إلى جانب جميع اللبنانيين، انطلاقًا من رسالتها القائمة على الكرامة الإنسانية والتضامن، وإيمانًا بأن الإنسان يبقى في قلب كل استجابة، وأن الصمود في الأرض هو فعل رجاء

شملت القافلة القرى التالية: القليعة، دير ميماس، أبو قمحة، كوكبا، راشيا الفخار، كفير، حاصبيا، الماري، جديدة مرجعيون، إبل السقي، البويضة، وبرج الملوك، حيث سيتم توزيع مساعدات أساسية تلبّي الاحتياجات الأكثر إلحاحًا للأهالي، تتضمّن حصصًا غذائية، مياهًا صالحة للشرب، مستلزمات طبية، مادة المازوت، إضافة إلى مواد أساسية ومواد حياتية ضرورية، مقدّمة من خلال شراكة إنسانية تجمع رابطة كاريتاس لبنان والبعثة البابوية في لبنان وأبرشية بيروت المارونية والأبرشية المارونية في كندا، ومؤسستا Oeuvre D’Orient وSolidarity.

وختامًا، تبقى هذه الزيارة علامة رجاء في زمن الألم، ودعوة صادقة إلى السلام، وإلى تكاتف الجهود المحلية والدولية لحماية لبنان وشعبه، كي تبقى هذه القرى شاهدة على الحياة، لا على الحرب، وعلى الإيمان، لا على الخوف. وهنا يؤكد أهالي مرجعيون وحاصبيا مرة جديدة ان صمودهم ليس مجرد موقف عابر، بل هو فعل إيمان ورجاء، ورسالة وطنية بامتياز، تُجسّد التمسّك بالأرض والهوية، وترفض منطق التهجير والاستسلام.

ختاما قدم رئيس البلدية درعا تقديرا للسفير البابوي تقديرا لدوره وجهوده في دعم صمود ابناء المنطقة وكذلك قدمت اطفال القليعة صورة دينية وهدايا تذكارية تكريما للسفير المطران بورجيا.