شادي معلوف

أدّاها أخيرًا في برنامج تلفزيوني

هذه قصّة "Beyrouth" إنريكو ماسياس

6 دقائق للقراءة


في الأيام الماضية، جرى التداول عبر مواقع التواصل بدقائق تلفزيونية للمغني الجزائري - الفرنسي Enrico Macias وهو يؤدّي جزءًا من أغنيته الشهيرة "Beyrouth" خلال استضافته في حلقة من برنامج "!Quelle Epoque" الذي تقدّمه الإعلاميّة اللبنانية الفرنسيّة ليا سلامة (ابنة وزير الثقافة غسان سلامة) من قناة "France 2" ليلة السبت من كلّ أسبوع.

كان ماسياس ضيفًا مع آخرين في برنامج المنوّعات للحديث عن جوانب من مسيرة 65 عامًا في عالم الفن و 50 مليون أسطوانة مباعة وعشرات الرحلات الفنية حول العالم، وإطلالته التلفزيونية في سلسلة "Maison De Retraite"، وحفلات غنائية مرتقبة سيحييها في الأشهر المقبلة.


لم أنتهِ بعد

وفي ختام الفقرة التي كان يجيب فيها ماسياس عن أسئلة سلامة بمقاطع من أغنياته وهو يعزف على الغيتار، استمهل المغني مضيفته قبل أن تختم حديثها معه، بقوله: "لم أنتهِ بعد.. ثمّة أغنية وضعتها سنة 1963 وأرغب اليوم في إعادة غنائها حتى "تنفجر" في العالم العربي بدرجة أقوى من القذائف التي تتساقط على الشرق الأوسط برمّته"، ثم أدّى مقطعًا من أغنية "Beyrouth" التي كتبها محمد الجموسي وإيرين فراندو، ولحّنها ماسياس وموريس. 

لكن ما قصّة تلك الأغنية ولماذا تَغنّى الفنان الجزائري الفرنسي بعاصمتنا اللبنانية؟

تعود الحكاية إلى مطلع ستينات القرن الماضي حين سافر متعهّد الحفلات الأرمني - اللبناني الراحل طوروس سيرانوسيان إلى باريس، للتعاقد مع فنانين هناك واستقدامهم للغناء في ملهى "Epi Club" الذي كان افتتحه عام 1961 في شارع فينيقيا ببيروت. 

في فرنسا اجتمع سيرانوسيان، كما يروي في كتاب مذكراته، بـ Claude Ebrard مدير المبيعات في شركة "Pathé Marconi" الذي عرّفه بعدد من نجوم الغناء وكان بينهم مغنّ فرنسيّ جزائريّ الأصل يدعى إنريكو ماسياس (اسمه الأصلي غاستون غروناساس)، وكان سجّل أول أغنيتَين له تمهيدًا لإطلاقهما. قال إبرار لسيرانوسيان إنه يمكنه التعاقد مع المغني الشاب مقابل 50 دولارًا أميركيًّا في الليلة. تجاهل المتعهّد الأمر على اعتبار أن ماسياس لم يكن قد انطلق فعليًّا بعد وبالتالي هو غير معروف لدى الجمهور، ورغم أن مبلغ 50 دولارًا في الليلة زهيد، لكن استقدام الفنان المبتدئ إلى بيروت يتطلّب أيضًا تكاليف أخرى بينها الدعاية والإقامة وسواهما، من دون أن يكون نجاحه في لبنان مضمونًا.

هنا أهمل المتعهّد فكرة التواصل مع الفنان، لكنه فوجئ ليلةً قبل عودته إلى بيروت باتصال من ماسياس نفسه يطلب لقاءه بعدما علم أن كلود إبرار طرح اسمه. فالتقيا وسمع سيرانوسيان غناء ماسياس ثمّ وعده خيرًا لكن بعد أن يعود إلى بيروت.

في بيروت، نسي صاحب "الإبي كلوب" الأمر تمامًا، إلى أن فوجئ بعد أشهر بشقيقه جان يخبره عن مغنّ شاب تلاقي أغنياته رواجًا في أوساط الساهرين في لبنان ونصحه باستقدامه ليغني في ملهاه الشهير. استفسر طوروس عن الفنان فإذ به إنريكو ماسياس الذي التقاه في باريس. عندها أرسل عقدًا بالمبلغ المتفَق عليه إلى كلود إبرار، لكن الفنان المنطلق نحو النجومية رفض الغناء مقابل 50 دولارًا في الليلة، بعدما بات ما يتقاضاه عن الحفلة الواحدة عقب الشهرة أكثر من ذلك المبلغ الزهيد بكثير.

تدخل إبرار لدى ماسياس وأقنعه أن الاتفاق جرى الحديث عنه قبل أن يحقق الشهرة الواسعة، فكان لسيرانوسيان ما أراد بعد إضافة بعض المحفزات البسيطة على الاتفاق تتعلّق بالسفر والإقامة وانضمام أحد الموسيقيين إلى الرحلة الفنية البيروتية.

في مطار بيروت، حظي إنريكو ماسياس باستقبال صحافيّ وجماهيريّ كبير نظّمه له متعهّد حفلاته في لبنان طوروس سيرانوسيان. وما إن انطلقت دعاية حفلات ماسياس في "الإبي كلوب" حتى انهالت طلبات الحجوزات على الأمسيات الثلاثين، وكان أن أحيا النجم الصاعد أيضًا حفلَين آخرَين في "سينما دنيا" في وسط بيروت، تقاضى عنهما 3000 دولار أميركي، على ما روى سيرانوسيان.


أعتز بديني

أثناء وجود إنريكو ماسياس في بيروت، اصطحبه سيرانوسيان ذات يوم إلى قلعة جبيل برفقة الصحافي سالم الجسر لإجراء حديث مع الفنان الشاب والتقاط بعض الصور في الموقع الأثري. خلال تلك الزيارة لاحظ الجسر أن ماسياس يضع في عنقه سلسلة ذهبيّة في وسطها رمز يهودي، فسأله الصحافي إن كان يهوديًّا، أجابه ماسياس: "كلّنا أولاد اللّه!".

بعد سنة، حضر طوروس سيرانوسيان حفلًا أحياه إنريكو ماسياس في مدينة ليون الفرنسيّة، تبعه عشاء تكريميّ أقيم للفنان دُعي إليه سيرانوسيان أيضًا. في أثناء العشاء استذكر النجم زيارة بيروت وأسرّ لسيرانوسيان أنه بعد عودته منها أنجز أغنية عنوانها "Beyrouth" تقديرًا منه للبلد الذي عرف فيه نجاحاته الكبيرة الأولى. وخلال كلمة له في العشاء، رحّب ماسياس بسيرانوسيان وأدّى الأغنية تحيّةً "لضيف وصديق كبير كان أول من وقّع عقد عمل معي في حياتي"، على ما أشار طوروس سيرانوسيان في كتاب مذكّراته. وما إن عاد ماسياس إلى كرسيه حتى سأله سيرانوسيان عن رأيه في العودة إلى بيروت لإحياء حفلات لمدّة شهر. أجابه الأول: "أريد أن أخبرك يا طوروس أنني يهوديّ الديانة وأنني أعتز بديني رغم اضطراري في المرة السابقة أن أخفي عنك وعن الناس ذلك لأنني كنت في دولة عربيّة وكنت بحاجة إلى المال والعمل والانطلاق في عالم الغناء. لكن اليوم بعد أن حققتُ كلّ ذلك، لست مستعدًا للسفر إلى لبنان لأنني لن أتنكّر لديني متى سُئلت، وقد يُسبّب ذلك لي ولك المشاكل".


القائمة السوداء

وهكذا انطوى مشروع عودة الفنان إنريكو ماسياس إلى بيروت، علمًا أن حتى ذلك الحين لم يكن المغني ممنوعًا بعد من دخول بلدنا. لكن بعد حرب الأيام الستة سنة 1967 بين إسرائيل من جهة ومصر وسوريا والأردن من جهة ثانية، صار اسم ماسياس على قائمة الفنانين المحظور دخولهم وتوزيع وبث أغنياتهم وأعمالهم الفنية في بعض الدول العربية وبينها لبنان، من قبَل "مكتب مقاطعة إسرائيل" بعد تصريحات وأنشطة ومواقف له مؤيّدة لإسرائيل.

وبعد حوالى 13 سنة (1980) ستدفع المطربة صباح ثمن إطلالتها مع الفنان إنريكو ماسياس في برنامج المنوّعات الفرنسي "Le grand échiquier" الذي كان يقدّمه جاك شانسيل في التلفزيون الفرنسي، مقاطعةً عربيّةً لها، لأنهما تشاركا الغناء في تلك الحلقة. ولن يُزال اسمها عن "القائمة السوداء" وتُرفع عنها تهمة "الخيانة" للبنان والعرب، إلّا بعد سنوات من إطلالتها الفرنسيّة تلك. لكنّ تلك قصّة أخرى!




غلاف أسطوانة "Chiquita"




أغنية "Beyrouth" على أسطوانة