هو اليوم الدموي الأعنف في أيام الحرب، والأكثر غارات واستهدافات، طاول الطواقم الإسعافية، عناصر من الجيش اللبناني، المدنيين، الصحافيين، وحتى المقدّرات الاقتصادية والمحطات، في تصعيد خطير يؤشّر إلى قرب بدء التوغّل البري تحت النار.
منذ ساعات الصباح الأولى لم تتوقف الغارات. في كفرتبنيت، استهداف لمسعفي الهيئة الصحية، والرسالة الإسلامية في بلدة زوطر الشرقية، هذه البلدة التي تُعد خط مواجهة أول، وتواجه مباشرة بلدة الطيبة، التي تشهد معارك محتدمة بين عناصر من "حزب الله" والجيش الإسرائيلي.
يؤشّر هذا التصعيد إلى دخول منطقة النبطية، كما الجنوب، مرحلة دقيقة وخطيرة في آن، يصعب التكهّن بمجرياتها أو بخارطة الطريق التي تؤسَّس لها. المؤكّد أن التصعيد الناري كان العنوان الأبرز.
«نداء الوطن» جالت على عدد من الاستهدافات التي طالت قرى النبطية. نصل إلى بلدة كفرتبنيت، التي تتعرّض لوابل من الغارات المكثفة. جغرافية المنطقة تجعلها أكثر خطورة، فإذا حُصر التوغّل البري، فهي بوابة قُرب النبطية. معبر كفرتبنيت، الذي كان قبل التحرير، ما زال حاضرًا في الذاكرة، وبعد التحرير تحوّل نقطة سياحية مهمة في البلدة. اليوم، يشكّل العبور داخل البلدة مغامرة خطرة، بسبب كثافة الغارات والقصف المدفعي، عند مدخل البلدة، أو ما يُعرف بمثلث أرنون – كفرتبنيت – النبطية الفوقا.
هنا، كان عناصر الهيئة الصحية يجلسون داخل آلياتهم. الاستهداف الذي طالهم جاء بقذيفة انشطارية، قتلتهم مباشرة، وتركت آثار الدماء تحكي القصة.
منذ اليوم الأول للحرب، تتعرّض الطواقم الإسعافية لاستهدافات مباشرة. 24 مسعفًا قضوا في هذه الحرب. اليوم، قضى 7 مسعفين في منطقة النبطية: اثنان في كفرتبنيت، وخمسة في بلدة زوطر الشرقية. وتفيد المعلومات أنهم كانوا يوارون مواطنًا الثرى في الجبانة، حين استهدفت مسيّرة إسرائيلية آلياتهم بشكل مباشر.
يوم قاسٍ على هذه الطواقم الإسعافية. فوفق القانون الدولي، يُحظر استهدافهم، إلا أن القانون في هذه الحرب كان هدفًا لغارات متواصلة.
نتّجه نحو دير الزهراني، البلدة الواقعة في النسق الثالث في منطقة النبطية، أي أنها ليست خط مواجهة أول وبعيدة عن الحدود. أكثر من عشر غارات استهدفت البلدة اليوم، أخطرها تلك التي طالت محطة للوقود. لا صلة للمحطة بمحطات الأمانة التي استُهدفت في الأيام الماضية، وهي تعود لأحد أبناء دير الزهراني، وتقع عند مفترق بلدة كفروة، وبوابة دير الزهراني، على شارع رئيسي يربط الزهراني بالنبطية.
على طول هذا الخط تنتشر معارض السيارات ومحال المفروشات والمطاعم، ويُعد شارعًا اقتصاديًا حيويًا. أمام المحطة، كان يوسف يجمع بعض الأثاث المتناثر. يقع منزله قرب المحطة، في المبنى الملاصق لها. يقول: «دخلنا مرحلة تدمير للاقتصاد وللحياة. يريد الإسرائيلي، من خلال كثافة الغارات على البلدة، تهجير أبناء الدير. كثر ما زالوا في البلدة، ويغادر بعضهم بعد كل موجة تصعيد».
يرفع يوسف صورًا متناثرة تحت الركام، ويقول: «تحت الدمار لا يبقى سوى ذكريات وصور لا أكثر، وقصة عائلة تلاشت بين الركام».
بحسبه، «نجت عائلات بأعجوبة. كانوا في شققهم، حزموا أمتعتهم وغادروا بحثًا عن مكان أكثر أمانًا، فالمنطقة دخلت في قلب الخطر المجهول».
على بُعد أمتار من المحطة، تسقط غارة جديدة. غبار ودمار، سيارة مارة تحترق، ومواطن تقذفه الغارة من جهة إلى أخرى. يخرج أبو محمد مذعورًا. كان في الجامع وقت الغارة، على مسافة أمتار قليلة. قذفه عصفها نحو الجدار، ويقول: «أُصبت برضوض في كتفي، شعرت وكأنني طرت من دون أن أشعر».
بقربه، عائلة كانت لا تزال صامدة. الصدمة ترسم الخوف على وجوه أفرادها. حزموا أمتعتهم، صعدوا إلى السيارة وغادروا.
يندرج هذا التصعيد في إطار التوغّل البري تحت النار، ودفع الأهالي نحو التهجير، وتحويل القرى إلى أرض محروقة. مشروع خطير، وسيناريو تطبيقه ما زال مبهمًا. غير أن المؤكّد أننا في قلب معركة، من الصعب رسم مجرياتها الميدانية بعد.

