إليكم النص الحرفي للبيان الختامي الذي صدر عن "مؤتمر معراب 3 - إنقاذًا للبنان"، وتلاه الدكتور صالح المشنوق:
أيها اللبنانيون،
نجتمع اليوم في معراب لنقول الحقيقة كاملةً واضحةً من دون تردد أو مسايرة. إن القوى السياسية الحرة السيادية المجتمعة هنا، إذ تستشعرُ خطورة هذه اللحظة، ترى أن الصمت بات تواطؤًا، وأن المواربة شراكة في الانهيار. لذا، نتوجّه إلى اللبنانيين والسلطة السياسية والمجتمع الدولي برسالة واضحة تعبّرُ عن موقف المجتمعين لجهة المخاطر المحدقة بلبنان وكيفية مواجهتها.
أولًا: في الوقائع الثابتة
حين أطلق "حزبُ الله" ما أسماهُ "إسناد غزة" أواخر عام 2023، حذرت الأطراف المجتمعة في مؤتمر معراب 1 بتاريخ 27/4/2024 من مغبّة جرّ لبنان إلى حرب لا علاقة له بها، وطالبت الأطرافُ عينُها بتنفيذ القرار 1701. ولمّا أعرض الحزبُ عن كلّ مناشدة، جدّدت الأطرافُ عينُها في مؤتمر معراب 2 بتاريخ 12/10/2024 الدعوة إلى تنفيذ القرارات الدولية كافة ولا سيما 1559 و1680 و1701، التي تُكرّس سحب سلاح الميليشيات وتسليمه إلى الجيش اللبناني.
واليوم، يتابع "حزبُ الله" مغامراته في خدمة الأجندة الإيرانية على حساب الدولة والشعب اللبناني برمته ويزج لبنان في حرب أقرب ما تكون إلى الانتحار الجماعي. هذا القرارُ لم يصدر عن مؤسسات دستورية بل فُرض بقوّة السلاح، وهو انتهاك جوهري لسيادة الدولة وحق الشعب في تقرير مصيره.
إن الوقائع لا تحتمل التأويل:
لولا هذا القرار الأحادي لما وُرط لبنان في حرب بين اسرائيل و "حزب الله". ان من يفتحْ باب الحرب يتحمّلْ تبعاتها كاملة. لم يكد لبنانُ يلملمُ تداعيات قرار "حزب الله" بإسناد غزة حتى بادر من جديد إلى زجّ لبنان في حرب إقليمية شاملة تحت شعار الثأر للمرشد الأعلى والدفاع عن النظام في إيران. وكلُّ محاولة لتوزيع المسؤوليات بشكل اعتباطي إنما تهدف إلى طمس الوقائع وتضليل الرأي العام.
لبنان استُهدف لأنه مخطوف.
خُطف قرارُه، وخُطفت سيادتُه،
وحُول إلى ساحة لحروب الآخرين.
ثانيًا: في ترتيب المسؤوليات
ما قام به "حزبُ الله"، بتوجيه وإدارة إيرانيين مباشرين، يُخرجُ لبنان من موقع الدولة ذات السيادة إلى موقع الساحة المُسخرة لمشاريع الآخرين، ويُشكّل استخدامًا للأراضي اللبنانية كساحة متقدمة في خدمة النظام الإيراني في صراع إقليمي.
كلفة الإعمار لا على الدولة ولا المواطنين...إيران يجب أن تعوض
المسؤولياتُ واضحة لا لبس فيها: النظام الإيراني يتحمّل المسؤولية الدولية، السياسية والقانونية الكاملة، و "حزبُ الله" يتحمّل المسؤولية التنفيذية عن الدمار والخسائر. ولا يمكن الردُّ على ذلك بالقول إن لبنان يتعرضُ لعدوان إسرائيلي إذ إنه يعود للسلطات اللبنانية وحدها اتخاذُ قرار الحرب والسلم وليس النظام الإيراني أو وحدات خارجة عن الدولة بإمرة إيرانية، وبالتالي مسؤوليةُ إسرائيل والصراع التاريخي معها لا تُعفي النظام الإيراني و "حزب الله" من مسؤوليتهما. وعليه، فإن إعادة الإعمار ليست مسؤولية الدولة اللبنانية ولا دافعي ضرائبها، بل مسؤوليةُ من قرّر الحرب وأدارها. وستعملُ القوى المجتمعة على مطالبة الحكومة بمسار قانوني داخلي ودولي لتوثيق الأضرار والمطالبة بتعويضات كاملة من إيران.
لذلك نطالب رئيس الحكومة والدوائر المعنية بتوثيق كافة تكاليف المأساة الحالية — من نزوح وإعادة إعمار وخسائر اقتصادية مباشرة وغير مباشرة — بُغية مطالبة الدولة الإيرانية بتسديدها، وإلا اللجوءُ إلى الشكوى أمام المرجعيات الدولية المعنية.
محكمة وطنية دولية خاصة
هذه المرحلة الدامية لن تُطوى بالنسيان ولن تُغطّى بالتسويات. لقد آن الأوان للانتقال من ثقافة الإفلات من العقاب إلى ثقافة المسؤولية. الحربُ التي زُجّ بها لبنان كانت قرارًا منظّمًا قام على مصادرة قرار الدولة وتعطيل دستورها واستخدام أراضيها وشعبها وقودًا في خدمة مشروع خارجي.
ومن اتخذ هذا القرار ونفذه وهدّد اللبنانيين لإخضاعهم له، يجب أن يعلم: زمنُ الحصانة السياسية إلى زوال.
لذا، تُعلنُ القوى المجتمعة عزمها على المطالبة بإنشاء محكمة خاصة — وطنية أو ذات طابع دولي أو مختلطة — تتولى ملاحقة المسؤولين عن إدخال لبنان في الحرب واستخدام أراضيه خارج إرادة الدولة. لن تكون غايةُ هذه المحكمة الانتقام، بل إحقاق العدالة وتثبيت مبدأ واضح: لا جهة فوق المحاسبة، ولا سلاح يحجُبُ المسؤولية. المحاسبة ليست تفصيلًا مؤجلًا، بل هي شرط أخلاقي وقانوني كي لا يتكرر هذا الخراب.
ثالثًا: في مصير سلاح "حزب الله"
إن استمرار وجود سلاح خارج إطار الدولة لم يعد مسألة خلاف سياسي، بل أصبح خطرًا وجوديًا: لا دولة مع سلاحَين، ولا سيادة مع قرارين، ولا استقرار مع ازدواجية في السلطة الأمنية والعسكرية.
لقد اتخذت الحكومة اللبنانية قرارات واضحة وجريئة خصوصًا في 5 و7 آب 2025 و 2 آذار 2026. إن التقاعس عن تنفيذ هذه القرارات أدّى إلى ما نشهدُه في الوقت الحاضر. ويعودُ ذلك إلى تواطؤ بعض الدولة العميقة مع "حزب الله" والمحور الإيراني الذي لا يزالُ يحاولُ أن يعرقل ويعطّل تنفيذ قرارات الحكومة. ومن هنا تُعلن القوى المجتمعة أنها لن تسكُت بعد اليوم عن أي تردد أو تواطؤ أو تقاعس في فرض سلطة الدولة.
إن التلويح بشبح الحرب الأهلية كلّما طُرح موضوع السلاح غير الشرعي هو ابتزاز سياسي مرفوض. إن اللبنانيين الذين دفعوا أثمانًا باهظة في حروب الماضي لن يُخضعوا لإرهاب معنوي يهدف إلى تكريس واقع شاذ.
إن استعادة الدولة قرارها وسلاحها ليست أبدًا مدخلًا إلى الحرب الأهلية بل إنها الشرطُ الوحيد لمنعها؛ أما استمرارُ الوضع القائم فهو الخطرُ الحقيقي المهدّد للسلم الأهلي.
إن المرحلة تفرضُ الانتقال من إدارة الأزمة إلى حلّها عبر: التنفيذ الصارم لقرارات مجلس الوزراء لا سيما تلك الصادرة في 5 و7 آب 2025 و2 آذار 2026، واستكمال نشر الجيش فورًا في كلّ المناطق بدءًا من العاصمة بيروت وضبط الأمن فيها. إن الدولة التي لا تفرضُ سلطتها على كامل أراضيها تفقدُ جوهر وجودها.
الفصل السابع
أمّا في ما يتعلّق بما يقولُه البعضُ خطأً من أن الدولة لا تستطيعُ فرض سيادتها بقواها الذاتية، فبإمكانها بقرار من مجلس الوزراء الاستعانة بقوات دولية انطلاقًا من البند 12 من القرار 1701 والفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، حمايةً للبنان من أنْ يبقى فريسةً لمن يستبيحُ أراضيه. وبالمناسبة، يُجدد المجتمعون تمسُّكهم بالقرارات الدولية 1559 و1680 و1701.
إن المجتمعين يجددون تأييدهم ودعمهم لخطاب القسم والقرارات الحكومية المتعلقة باستعادة الدولة لقرار السلم والحرب واعتبار أنشطة "حزب الله" العسكرية والأمنية محظورةً وخارجةً عن القانون، ويشيدون بمواقف فخامة الرئيس ودولة رئيس الحكومة المتعلقة بهذا الشأن.
كذلك يدعمون مبادرة رئيس الجمهورية للتفاوض المباشر وصولًا إلى حلّ جذريّ ينقذ لبنان نهائيًا.
رابعًا: في صون الحريات ورفض التخوين
تنظرُ القوى المجتمعة بأقصى درجات الخطورة إلى الحملة المنظمة التي تتعرض لها الحريات العامة — حرية الرأي والتعبير والإعلام والعمل السياسي — جرّاء مُناخ الترهيب الممنهج الذي يزرعُه "حزبُ الله" كلما ارتفع صوت معارض. فما بات أمامنا ليس سجالًا سياسيًا بل تخوين علني وتحريض وتهديد مباشر يستهدف إسكات الإعلاميين والسياسيين والناشطين.
اننا نتضامنُ بشكل كامل مع جميع وسائل الإعلام التي تتعرضُ للتهديد، وفي طليعتها محطة اMTV وجريدة "نداء الوطن"، وموقعُ "القوات اللبنانية" وإذاعة لبنان الحر، وموقعُ "الكتائب اللبنانية" وإذاعة "صوت لبنان"، ووسائلُ الإعلام السيادية الأخرى، وشخصيات المعارضة الشيعية، وكلُّ من يناصبُه "حزبُ الله" العداء.
وندعو القضاء والنيابات العامة والأجهزة الأمنية إلى ملاحقة كلّ من يهدّد علنًا أو يحرّض أو يمارسُ الإرهاب المعنوي، بعيدًا عن الازدواجية في المعايير، وتطبيقًا لقرارات مجلس الوزراء، ليحذُو كافةُ القُضاة حذْو زملائهمْ الشجعان في إحقاق العدالة من دُون خوف، فالعدالةُ التي تخافُ ليست عدالة، والدولةُ التي تنتقي في تطبيق القانون ليست دولة.
خامساً: في استنكار الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية
يستنكر المجتمعون بأشدّ تعابير الاستنكار الاعتداءات الإيرانية التي طاولت وما تزالُ العديد من الدول العربية:
- المملكة العربية السعودية
- دولة الإمارات العربية المتحدة
- دولة قطر
- سلطنة عمان
- دولة الكويت
- دولة البحرين
- دولة الأردن
ويعتبرون أن لا منطق يبرّرُ هذه الاعتداءات، بعد أن كانت هذه الدولُ قد اتخذت موقفًا محايدًا تمامًا في الصراع القائم بين الولايات المتحدة وإيران، لا بل حاول البعضُ منها، وما يزالُ حتى الساعة، إيجاد حلّ دبلوماسيّ للحرب القائمة.
سادسًا: كلمة إلى أهلنا في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت
إلى أهلنا في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، نخاطبُكم كشركاء في وطن واحد جمعنا تاريخُهُ وآلامُهُ وآمالُه. اننا نعلم حجم معاناتكم ونعرفُ أن كثيرين منكم لا يريدون حربًا ولا أن يكونوا وقودًا لصراعات الآخرين.
دعوتُنا إلى قيام الدولة وحصر السلاح بيدها ليست موجّهة ضدّكم بل هي حماية لكم وللبنانيين جميعًا. نريد دولةً بمؤسساتها السياسية والقضائية والأمنية والعسكرية، دولة لا مواطن فيها أقوى من مواطن ولا سلاح يعلو على الشرعية.
إن المجتمعين يعلنون تضامنهم مع المواطنين النازحين ويثمّنون دور الدولة اللبنانية والشعب اللبناني في كل المناطق المضيفة، ويطالبون الدولة اللبنانية بممارسة مسؤولياتها كاملة في حفظ أمن النازح والمضيف على حدّ سواء.
ختامًا، أيها اللبنانيون، لبنانُ اليوم أمام خيار من اثنين لإنقاذ لبنان: إما دولة... أو لا دولة، ونحن اخترْنا الدولة، وسنخوضُ مع المسؤولين في الدولة معركة استعادتها... حتى النهاية.