المسيحيون السوريون يواجهون "التهديد الوجودي" بالصلاة

4 دقائق للقراءة

يحلّ موسم عيد الفصح لدى المسيحيين في سوريا هذا العام في ظلّ ظروف استثنائية تحول دون إحياء المناسبة كالعادة، إذ يشعر المسيحيون بـ "تهديد وجودي" قادم من التيارات الإسلامية المتطرّفة، خصوصًا بعدما شهدت مدينة السقيلبية ذات الغالبية المسيحية في ريف حماة، هجمات طائفية غوغائية أخيرًا تخلّلها تكسير ممتلكات ونهبها، واعتداءات على مدنيين، بينما لم ينسَ المسيحيون أيضًا التفجير الانتحاري الذي استهدف كنيسة مار إلياس في دمشق العام الماضي. وسط هذه الأجواء، أعلن بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الملكيين الكاثوليك يوسف العبسي السبت أنه "نظرًا الى الأوضاع الراهنة غير المشجّعة، قرّرنا بالتنسيق والاتفاق مع سائر الكنائس، أن تقتصر الاحتفالات الفصحية لهذا العام على الصلوات فقط في داخل الكنائس".

وفي أحد الشعانين أمس، غابت مشاهد اعتادها السكان في أزقة المدينة القديمة في دمشق في السنوات الماضية، حين كانت فرق الكشافة تجوب الشوارع بلباسها الموحّد وطبولها وآلاتها النحاسية، فيما يلوّح الأطفال بأغصان الزيتون وسط زحمة المصلّين والمتفرّجين، إذ جلس مصلّون في كاتدرائية الروم الملكيين الكاثوليك في دمشق بصمت على مقاعد خشبية مع بدء القدّاس، بينما خيّم الهدوء في محيطها. وعند المدخل الخارجي للكنيسة، انتشر عناصر من الشرطة التابعة لجهاز الأمن الداخلي، بالتزامن مع إغلاق بعض الطرق المؤدية إلى دمشق القديمة. ومع بدء الصلاة، بدا أكثر من نصف مقاعد الكنيسة التي زيّنت بأغصان الزيتون، فارغًا، قبل أن يصل مزيد من المصلّين. وجلس رجال ونساء على المقاعد الطويلة، وأشعل بعضهم الشموع بصمت، في وقت راقب فيه الأطفال من حولهم بملابس بيضاء.

وخلال عظته في قدّاس الشعانين في كاتدرائية سيدة النياح، أكد البطريرك العبسي أنه "في الظروف والأوضاع الأليمة التي نمرّ بها اليوم... تعب وحزن وضيق وألم، يدعونا عيد الشعانين إلى التمسّك بالرجاء". وكسر الصمت صوت أطفال وهم يركضون ويلهون في باحة الكنيسة، بينما التقط أهلهم صورًا لهم قرب مدخل الكاتدرائية. وحمل فادي شماس، وهو مهندس، رضيعته نالا مرتدية ثوبًا أبيض، لافتًا لوكالة "فرانس برس" إلى أن "هذا أوّل أحد شعانين لنالا، وكنا نتمنى أن يكون الوضع مريحًا أكثر والناس غير خائفين". وقال: "نتأمّل خيرًا للمستقبل، لكن الأمور تتطلّب مزيدًا من الوقت كي يرتاح الناس أكثر".

ووقف المحامي ميلاد السبع يراقب ابنه أكرم وهو يلعب مرتديًا بزة بنية. وقال: "هذه السنة، الوضع مضطرب، ومن غير المناسب أن تجوب فرق الكشافة الشوارع. اكتفينا بالصلوات ونأمل في العام المقبل أن يكون الوضع أكثر هدوءًا". وعند باب الكاتدرائية في دمشق، قال الموظف نبيل سمارة وإلى جانبه ابنه جوليان: "هذه أوّل مرّة منذ وقت طويل لا نقيم احتفالات بسبب الأوضاع. في كلّ سنة كنا نستمتع بمسيرات عناصر الكشافة وموسيقاهم"، موضحًا أنه "خلال سنوات الحرب كان هناك خوف، والآن هناك خوف. الناس ينتقلون من خوف إلى خوف، في حين يبغون الاستقرار والعيش بهدوء".

ويأتي ذلك بعدما دفعت أعمال العنف التي شهدتها السقيلبية العشرات إلى الخروج باعتصام في وسطها السبت، رفعوا خلاله لافتات كتب على إحداها "لا للسلاح المنفلت... نعم لدولة سورية تضمّ كافة مكوّناتها". وأعربت الخارجية اليونانية عن قلقها إزاء التطورات في السقيلبية، مؤكدة أنها تتابع "عن كثب وبقلق" الوضع في المدينة ذات الغالبية من أتباع الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية. ورحّبت بـ "إعلان الحكومة السورية فتح تحقيق في الحوادث الأخيرة"، داعية إلى "تسريع تنفيذه". وشدّدت على أن المسيحيين مكوّن تاريخي وأصيل من المجتمع السوري المتنوّع، فيما دعت الخارجية القبرصية إلى استكمال التحقيق في أحداث السقيلبية ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.