ميشال الدكاش

هندسة الوعي في الزمن الرقمي: بين الأيديولوجيا والذكاء الاصطناعي… من يقود؟

5 دقائق للقراءة

ليست الهيمنة في أن تُجبر الإنسان على الطاعة، بل في أن تجعله يرى الطاعة بأنها امتدادًا لحريته.

في التجارب السياسية المعاصرة، لم تعد الأنظمة أو القوى الأيديولوجية بحاجة إلى أدوات القمع التقليدية كي تفرض نفوذها. لقد اكتشفت ما هو أكثر فاعلية وذلك بتحويل الفرد نفسه إلى أداة نشر، إلى جندي رقمي يعمل طوعًا داخل منظومة غير منظورة. وهنا، لا يعود السؤال، من يسيطر؟ بل كيف أصبح الإنسان أداة في تكريس ما يقيّده؟

في المجتمعات الهشّة اقتصاديًا، حيث يتقاطع الفقر مع الشعور بالتهميش والمظلومية وفقدان المعنى، يصبح الفرد أكثر قابلية للانخراط في منظومات فكرية مغلقة. الهواتف الذكية، التي تبدو أداة تحرّر، تتحوّل تدريجيًا إلى بوابة إعادة تشكيل الوعي. ليس عبر خطاب مباشر، بل عبر بناءٍ تراكمي للسرديات، حيث يتحوّل التكرار إلى يقين دون أن يمرّ بتفكير نقدي حقيقي. ومن هنا تدخل طبقة أكثر تطورًا من التأثير وهي الأخبار المزيّفة.

لم تعد "الكذبة" مجرّد معلومة خاطئة، بل أصبحت منتجاً مُصمّماً بعناية ليتناسب مع المشاعر المسبقة وغالبًا ما يُعاد تدويرها عبر منصّات وأصوات يُفترض بها أن تكون مرجعية في إنتاج المعنى، فإذا بها تساهم عن قصد أو عن تكيّف في ترسيخ ما يُرضي الجمهور لا ما يكشف الحقيقة.

وكما يقول عالم النفس دانيال كانيمان: "نحن لا نصدّق سريعاً لأن الأمر صحيح، بل لأنه يبدو مألوفاً". تنجح الأخبار المزيّفة لا بقدرتها على الإقناع، بل بقدرتها على التماهي مع القناعات المسبقة.

ومع تطوّر أدوات الذكاء الاصطناعي، لم يعد إنتاج هذا النوع من المحتوى حكرًا على مؤسسات ضخمة. أصبح بالإمكان تصنيع فيديو، صوت، أو صورة تحمل طابع "الحقيقة" خلال دقائق. وهنا، تتعزّز الفقاعة التي يعيش فيها الفرد: كل ما يراه يؤكّد ما يؤمن به، وكل ما يناقضه يُصنّف فورًا كعدو أو مؤامرة. إنها حلقة مغلقة، يُغذّيها الخوف من الصدمة، لأن مواجهة الحقيقة قد تكون جارحة إلى حدّ لا يُحتمل خاصةً حين تأتي من خارج السردية.

هذا ما يُسمّيه علم النفس السياسي "التكيّف الإدراكي القسري": حين لا يغيّر الإنسان قناعاته لأنه اقتنع، بل لأنه تعب من مقاومة مجتمع يُكافئ الامتثال ويعاقب الشك. وكما يقول عالم النفس الاجتماعي ليون فستنغر في كتابه " When Prophecy Fails "عندما تفشل النبوءة": "حين تتعارض القناعات مع الواقع، لا يغيّر الإنسان الواقع، بل يعيد تفسير قناعاته ليحافظ على تماسكه الداخلي."

هنا تبدأ الحلقة الأخطر: الفرد لا يكتفي بتلقّي الخطاب، بل يعيد إنتاجه. يشاركه، يدافع عنه، ويهاجم من يعارضه. ومع الوقت، يتحوّل إلى جزء من "جيش إلكتروني" غير منظّم شكليًا، لكنه شديد الفاعلية. ليس لأنه يتلقى أوامر، بل لأنه يشعر أن ما يقوم به هو تعبير عن ذاته وكرامته.

لكن الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك. ما يحدث ليس اندفاعًا مفاجئاً، بل مساراً تراكمياً يعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان وقناعاته، ضمن سردية تُبنى تدريجيًا وتُقدَّم كإطار لفهم الواقع والتموضع داخله. وهنا، لا يصبح الخروج منها مجرّد مراجعة فكرية، بل ارتباكًا سياسيًا داخليًا، لأن ما يتغيّر ليس الموقف فقط، بل موقع الفرد داخل هذه السردية، ودوره داخلها.

وهذا ما يفسّر العداء العنيف لأي رأي مخالف. ليس لأن الآخر خطر فعلي، بل لأنه يهدد التوازن النفسي الهش الذي بُني داخل هذه المنظومة على مرّ الزمن. وكما يشير عالم النفس الاجتماعي البولندي هنري تاجفيل بأن: "الإنسان لا يدافع عن أفكاره فقط، بل عن الجماعة التي تمنحه معنى لوجوده من خلال هذه الأفكار".

استراتيجيًا، هذا النموذج هو ما تراهن عليه القوى الحديثة. لم تعد الدعاية تُبثّ من الأعلى فقط، بل تُزرع في القاعدة لتتكاثر ذاتيًا. المنظومة العقائدية المُغلقة لا تحتاج أن تُقنع الجميع، بل أن تخلق نواة صلبة من المؤمنين الذين يقومون بالمهمة. وهكذا، تتحوّل الدعاية إلى شبكة، والناس إلى وسائط نقل لها.

في هذا السياق، يصبح العالم الافتراضي أكثر من مجرد مساحة تواصل. إنه "واقع بديل" كامل. فيه سردية واضحة، أبطال وأعداء، جيوش ومعارك وانتصارات رمزية مستمرة. وهذا ما يجعله مريحًا نفسيًا، خصوصًا لمن يعيش ضغطًا اقتصاديًا أو اجتماعيًا. لأن هذا العالم يمنحه ما يفتقده: الشعور بالقوة، بالانتماء، والوضوح.

لكن هذا "الوضوح" هو بالضبط ما يجعله خطيرًا. لأنه يلغي التعقيد، ويختصر الواقع في ثنائيات حادّة. ومع الوقت، يفقد الفرد قدرته على العيش خارج هذا الإطار، يصبح الخروج منه ليس فقط صعبًا، بل مخيفًا لأن العالم الحقيقي أقل وضوحًا، أقل عدالة في الظاهر، وأكثر تناقضاً.

وهنا، نصل إلى جوهر المشكلة. لم يعد التأثير الإعلامي محصورًا بالشاشات الكبرى، بل أصبح في متناول اليد. الهاتف المسمّى ذكي لم يعد وسيلة، بل بيئة كاملة بحدّ ذاتها. والإنسان لم يعد متلقياً، بل مشاركاً في صناعة ما يؤثر عليه.

من موقع الخبرة في القيادة السياسية والسلوك الجماعي، يمكن القول إن التغيير لا يبدأ من كسر هذه المنظومات بالقوة، بل من داخل الفرد نفسه. من إعادة بناء قدرته على الشك، على النقد، على طرح الأسئلة، على مواجهة الذات والفصل بين هويته وبين ما يتلقاه. البداية تحتاج إلى شجاعة تتمثل بأن يتوقّف الإنسان للحظة قبل أن يشارك، أن يسأل قبل أن يهاجم، وأن يحتمل ألم الشك بدل راحة الوهم.

فالقيادة الحقيقية اليوم ليست في توجيه الناس، بل في تحريرهم من الحاجة الدائمة إلى التوجيه.

في النهاية، المعركة لم تعد على الأرض، بل في الوعي. ومن لا يملك وعيه… سيجد نفسه يقاتل في معارك لم يخترها، ويدافع عن أفكار لم يفكّر بها يوماً. فالمشكلة لا تبدأ حين نُضلَّل بل عندما نفقد القدرة على ملاحظة أنّنا نُضلَّل.