المخرج رمال أبي يونس

غاز لبنان بين الخط 23 و 29: كيف ضاعت المساحة وكيف قد تضيع الفرصة الأخيرة

11 دقيقة للقراءة

في الجغرافيا السياسية، لا تُقاس الحدود فقط بالكيلومترات بل بالقرارات، وفي حالة لبنان قد لا يكون البحر هو من ابتلع المساحة بل التردد. وفي الدول الطبيعية تتحول الثروة الطبيعية إلى مشروع دولة.

أما في لبنان، فغالباً ما تتحول إلى ملف نزاع، ثم إلى مادة انقسام، ومن ثم إلى فرصة مؤجلة، ثم إلى خسارة جديدة تضاف إلى سجل الخيبات. وهذا ما يبدو عليه اليوم المشهد النفطي والغازي. بلد يغرق في الانهيار، يقف على بحر قد يحمل له باباً نادراً للخلاص، لكنه في الوقت نفسه يقف على حافة نزاع مفتوح قد يحوّل تلك الثروة من رافعة إنقاذ إلى وقود صراع.

فعندما تم التوصل إلى اتفاق ترسيم الحدود البحرية في تشرين الأول 2022 بوساطة أميركية، جرى تقديمه على أنه إنجاز كبير للبنان، لأنه سمح له بالمضي في ملف التنقيب واستعادة مساحة من حقوقه البحرية وتثبيت إمكانية العمل في حقل قانا. لكن الحقيقة أن الاتفاق لم يكن يوماً اتفاقاً مثالياً ولا حلاً نهائياً. بل كان تسوية سياسية وتقنية تحت ضغط التوتر، لا أكثر.

الاتفاق رسم الخط 23 كحد بحري فاصل بين الجانبين، وأعطى لبنان كامل الحقوق في حقل قانا حتى لو امتد جزء منه جنوباً، مقابل احتفاظ إسرائيل بحقل كاريش بالكامل، مع صيغة مالية معقدة لتعويض إسرائيل عبر الشركات الدولية إذا ثبت وجود موارد مشتركة في المنطقة المتداخلة. بهذا المعنى، لم يكن الاتفاق اتفاق سلام ولا اعترافاً متبادلاً ولا معاهدة دولية بالمعنى التقليدي، بل تفاهم غير مباشر هدفه الأساسي منع الانفجار وفتح الباب أمام استثمار الغاز.

لكن كل تسوية لا تُبنى على توازن مستقر، تبقى معلقة فوق الهاوية. وهذا ما يظهر اليوم بوضوح. فإسرائيل بدأت تلوّح بإلغاء اتفاق ترسيم الحدود البحرية وهذا ليس مجرد تصريح عابر أو مناورة إعلامية وما يجري هو أخطر من ذلك بكثير. إنه اختبار قاس لمستقبل لبنان النفطي، ولمدى قدرة الدولة اللبنانية على حماية ما بقي لها من حقوق، بعدما فشلت سابقاً في تثبيت كامل أوراقها القانونية والسيادية في هذا الملف. والإلغاء ليس لأن الخط البحري تبدل جغرافياً، بل لأن البيئة السياسية والأمنية التي سمحت بولادته بدأت تتآكل. وهنا تظهر الحقيقة العارية: الاتفاق لم يكن قائماً على القانون وحده، بل على المصلحة. وإذا شعرت إسرائيل أن هذه المصلحة سقطت، فإنها ستتعامل مع الاتفاق بوصفه ورقة قابلة للمراجعة أو للضغط أو حتى للنسف.

الجوهر الحقيقي للأزمة لا يبدأ من 2022، بل من اللحظة التي تراجع فيها لبنان عن تثبيت الخط 29. هنا تقع نقطة التحول الكبرى التي ستبقى محل جدل طويل في التاريخ السياسي والقانوني والاقتصادي للبنان.

والخط 29 لم يكن وهماً إعلامياً ولا شعاراً شعبوياً. كان طرحاً مبنياً على دراسات تقنية وقانونية، وكان يمنح لبنان مساحة إضافية تُقدّر بنحو 1430 كيلومتراً مربعاً فوق المساحة التي يتيحها الخط 23. والأهم أن هذا الخط كان يضع جزءاً من حقل كاريش داخل المنطقة المتنازع عليها، ما كان يمنح لبنان ورقة تفاوضية ثقيلة جداً، سواء للحصول على مساحة أكبر أو لفرض شروط مختلفة في أي تسوية لاحقة.

لكن لبنان لم يذهب إلى النهاية في هذا المسار. ولم يثبت الخط 29 رسمياً في الأمم المتحدة في الوقت المناسب، ولم يحوّله إلى مرجعية تفاوضية نهائية، وتركه يتراجع تحت وطأة الحسابات السياسية والضغوط الدبلوماسية والخشية من التصعيد وتعطيل الاتفاق. بهذا المعنى، لم يخسر لبنان حقاً مثبتاً ونهائياً، لكنه خسر فرصة تثبيت حق كبير كان يمكن أن يغيّر شكل التفاوض كله

وهنا يجب قول الحقيقة بوضوح: لبنان لم يتنازل عن كاريش لأن كاريش وفق الخط 23 لم يكن داخل منطقته الرسمية، لكنه أيضاً لم يقاتل قانونياً وسياسياً لتثبيت الخط 29 الذي كان سيضع جزءاً من كاريش في خانة النزاع. أي أن كاريش لم يُنتزع من لبنان بالقوة وحدها، بل خرج من المعركة عندما تخلت الدولة عن أقصى أوراقها قبل تثبيتها

في شرق المتوسط، لا تختصر الحقول الغازية مجرد ثروة تحت البحر، بل تختصر خرائط القوة. حقل كاريش بالنسبة إلى إسرائيل ليس فقط مشروعاً اقتصادياً، بل جزء من منظومة أمن طاقوي وسيادي تريد تثبيتها بلا منازع. أما حقل قانا بالنسبة إلى لبنان فكان أشبه بوعد مؤجل بالخروج من الجحيم الاقتصادي.

كاريش أصبح واقعاً إنتاجياً إسرائيلياً تديره شركة إنرجيان، فيما بقي قانا حتى الآن أقرب إلى الأمل منه إلى العائد الفعلي. إسرائيل تنتج وتبيع وتراكم الوقائع، بينما لبنان ما زال يلاحق الإمكانات ويعلّق آماله على التنقيب والاستكشاف وعودة الشركات. الفارق هنا ليس فقط في القدرات، بل في طبيعة إدارة الملف. دولة تفرض أمراً واقعاً، ودولة تتعامل مع ثروتها المحتملة كأنها ملف مؤجل بانتظار انفراج سياسي.

لذلك، فإن أي حديث عن إلغاء اتفاق الترسيم يعيد قانا إلى دائرة المجهول ويجعل كاريش في قلب التوتر. وإذا انهار الاتفاق، فلن تعود المسألة خلافاً على خرائط، بل ستصبح نزاعاً على منصات ومنشآت واستثمارات وممرات طاقة. عندها لا يعود الحديث عن “خط 23” أو “خط 29” فقط، بل عن خط النار نفسه.

ومن الناحية العملية، يمكن لإسرائيل أن تتصرف كأن الاتفاق لم يعد قائماً إذا قررت ذلك سياسياً، خصوصاً إذا اعتبرت أن الأساس الأمني والسياسي الذي بُني عليه لم يعد موجوداً. لكنها لا تستطيع أن تفعل ذلك من دون كلفة. فالاتفاق لم يكن اتفاقاً لبنانياً إسرائيلياً فحسب، بل تسوية رعتها الولايات المتحدة، وإسقاطه يعني عملياً ضرب إطار تفاوضي هندسته واشنطن بنفسها فإذا أقدمت إسرائيل على ذلك، فقد ترسل إلى الأمم المتحدة رسالة تعتبر فيها نفسها متحررة من التفاهم السابق، وقد تعود إلى التمسك بالخط 1، ما يعيد أجزاء من البلوكين 8 و9 إلى منطقة نزاع. هذا لا يعني فقط تجميد الملف اللبناني، بل أيضاً فتح الباب على أزمة قانونية واستثمارية وأمنية أكبر بكثير.

لكن ما يجب الانتباه إليه هو أن إسرائيل لا تلوّح بالإلغاء فقط لتنسف الاتفاق، بل لتستخدمه كأداة ضغط. هي تربط بين الاتفاق البحري والوضع الأمني في جنوب لبنان، أي أنها تريد أن تقول إن الاقتصاد والطاقة لم يعودا منفصلين عن الميدان. وهذا أخطر ما في الأمر. لأنه يجعل الغاز رهينة الأمن، ويجعل أي تصعيد عسكري قابلاً للتمدد إلى البحر والمنصات والشركات والبلوكات.

في هذا الملف، تلعب الشركات الدولية دوراً محورياً، لكن من الخطأ تصورها كقوة مستقلة عن الجغرافيا السياسية. شركات مثل توتال إنرجيز وإيني وقطر للطاقة لا تعمل في فراغ. هي شركات تبحث عن الربحية، نعم، لكنها قبل ذلك تبحث عن بيئة قانونية مستقرة ومخاطر أمنية مقبولة. وعندما يصبح أي بلوك مرشحاً للتحول إلى منطقة نزاع، تبدأ هذه الشركات فوراً بإعادة حساباتها فإذا ألغي الاتفاق أو عادت الشكوك الجدية حوله، فإن أول نتيجة ستكون عملياً تجميداً غير معلن، ثم ربما تعليقاً تقنياً، وربما في مرحلة لاحقة انسحاباً تحت عنوان القوة القاهرة أو إعادة التقييم أو الظروف غير الملائمة. في عالم الطاقة، لا تنتظر الشركات سقوط الصاروخ فوق المنصة كي تغادر، بل تكفيها رائحة الخطر القانوني والأمني لكي تبطئ وتؤجل وتجمّد وهنا تكمن إحدى أخطر خسائر لبنان. فحتى لو كان لديه حق قانوني قوي، فإن الحق الذي لا يجد من يستثمره يبقى حبراً على الورق. والغاز الذي لا يصل إلى مرحلة الاستخراج لا يسد العجز ولا يوقف الانهيار ولا يعيد الثقة.

وإذا انهار اتفاق الترسيم، فإن لبنان لن يخسر فقط مساحة تفاوضية أو مشروع تنقيب. سيخسر أكثر من ذلك بكثير

سيخسر أولاً فرصة تحويل الثروة البحرية إلى بارقة أمل في اقتصاد ينهار تحت أعباء الدين والفقر والانكماش وفقدان الثقة. وسيتوقف المسار البطيء أصلاً نحو الاستكشاف والاستثمار، وسيدخل ملف الغاز في ثلاجة النزاع المفتوح. وهذا يعني ببساطة أن لبنان سيبقى أسير الاستيراد، يخرج الدولار من جيوبه ليستورد الوقود، ويواصل استنزاف احتياطاته وإمكاناته المحدودة لتغذية قطاع كهرباء عاجز ومكلف.

وسيخسر ثانياً ما تبقى من صدقية أمام المستثمرين. فالدول لا تجذب الاستثمارات الكبرى بالشعارات بل بالاستقرار. وإذا أصبحت الحدود البحرية قابلة للاشتعال في أي لحظة، فلن ينظر أحد إلى لبنان كفرصة واعدة، بل كمنطقة مخاطرة مرتفعة. وفي بيئة كهذه، لا يعود النفط والغاز باباً للإنقاذ، بل يتحولان إلى عنصر إضافي في إنتاج عدم اليقين.

وسيخسر ثالثاً الزمن. وهذه ربما أخطر الخسائر كلها. لأن الدول التي تتأخر في دخول سوق الطاقة لا تبقى واقفة في مكانها فقط، بل تتراجع نسبياً مع تسارع المشاريع المجاورة. شرق المتوسط يتحرك، والأسواق تتغير، والبدائل تظهر، والنافذة الزمنية للاستفادة المثلى ليست مفتوحة إلى الأبد. كل سنة يضيعها لبنان في الانتظار والتردد والنزاع هي سنة تُهدر فيها فرصة كان يمكن أن تختصر جزءاً من الطريق الطويل نحو التعافي.

وإذا توقفت الحرب أو تراجع منسوب التوتر الإقليمي وهنا الوجه الآخر من الصورة، فإن لبنان قد يجد نفسه أمام فرصة حقيقية، ولو متأخرة، لإعادة تشغيل هذا الملف بما يخدم مصالحه، فهدوء الجبهة يعني أولاً إعادة إحياء الثقة النسبية لدى الشركات، وفتح المجال أمام استئناف المسوحات والدراسات والحفر ضمن روزنامة أوضح. ويعني ثانياً حماية اتفاق الترسيم من السقوط الفوري، ما يمنح لبنان نافذة زمنية جديدة للعمل على قانا وسائر البلوكات وتحصين موقعه القانوني والسياسي. كما يعني ثالثاً إعادة إدراج لبنان، ولو جزئياً، على خريطة الطاقة الإقليمية، لا بوصفه منتجاً كبيراً فوراً، بل بوصفه مشروع منتج محتمل يمكن البناء عليه.

إذا حصل ذلك، فإن ربح لبنان لن يكون فقط مالياً. سيكون معنوياً وسيادياً واستراتيجياً. إذ إن النجاح في تثبيت حقه في الاستكشاف والإنتاج سيعني للمرة الأولى منذ سنوات أن هذا البلد قادر على الانتقال من اقتصاد الحطام إلى اقتصاد الإمكان. صحيح أن الغاز وحده لن يصنع معجزة، والاكتشافات إن حصلت لن تنقذ لبنان غداً صباحاً، لكن مجرد خروج الملف من دائرة الحرب إلى دائرة الاستثمار سيشكل تحوّلاً هائلاً في الاتجاه. بمعنى آخر، إذا توقفت الحرب، فإن لبنان يربح الفرصة. أما إذا استمرت أو تمددت إلى البحر، فهو لا يخسر الثروة فقط، بل يخسر الحق في الحلم بها.

وهنا لا يمكن تجاهل دور الولايات المتحدة، فهي ليست شاهداً محايداً على الاتفاق، بل هي الراعي الذي صاغه ودفع إليه وقدم نفسه كضامن له. لكن التجربة تقول إن الضمانات الأميركية في المنطقة ليست دائماً مرادفاً للحسم. واشنطن تدير التوازنات أكثر مما تفرض الحلول النهائية، وتفضل في كثير من الأحيان إبقاء الملفات تحت السيطرة بدل إغلاقها تماماً. من هنا، فإن صمتها أو تحفظها أمام التلويح الإسرائيلي لا يمكن قراءته كحياد بريء. هو أقرب إلى إدارة مدروسة للتوتر. فهي لا تريد انهيار الاتفاق بما يحرجها ويهز صورتها كوسيط، لكنها في الوقت نفسه لا تريد الدخول في صدام علني مع إسرائيل بشأن ملف تعتبره جزءاً من المشهد الأمني الأوسع في المنطقة. وهذا يضع لبنان في موقع هش: بين راعٍ لا يريد التفجير الكامل، لكنه أيضاً لا يضمن تثبيت قواعد اللعبة إذا تغيرت المصلح

بعد كل هذا، تصبح الصورة أكثر وضوحاً. فأزمة لبنان النفطية ليست فقط أزمة خط 23 أو خط 29، ولا أزمة كاريش أو قانا فحسب. إنها أزمة قرار وسيادة وإدارة وقت. ولبنان لم يفشل لأن البحر فقير، بل لأنه لم يحسم خياراته في اللحظة المناسبة. لم يثبت الخط 29 عندما كان ذلك ممكناً، ولم يحم الاتفاق سياسياً بما يكفي عندما وُقّع، ولم يحول ملف الغاز إلى مشروع وطني فوق الانقسامات، بل تركه يتأرجح بين الرهانات الخارجية والانقسام الداخلي وحرائق الإقليم.

واليوم، وهو يواجه احتمال اهتزاز اتفاق الترسيم أو سقوطه، ولا يملك رفاهية التردد مجدداً. لأن ما تبقى أمامه ليس مساحة تقنية على الخريطة فقط، بل آخر فرصة جدية كي لا تبقى ثروته البحرية مجرد أسطورة تتكرر على شاشات التلفزة وفي خطابات المسؤولين.

في النهاية، لم تعد القضية قضية بحر فقط. إنها قضية مستقبل بلد. بلد خسر سابقاً مساحة إضافية حين لم يثبت الخط 29، ورضي بتسوية على الخط 23 كي يفتح نافذة نجاة، ثم وجد نفسه اليوم مهدداً بخسارة تلك النافذة نفسها تحت ضغط الحرب والميدان وموازين القوى. وذا أُلغي اتفاق الترسيم، فإن لبنان سيدفع الثمن اقتصادياً وسياسياً واستثمارياً، وقد يعود ملف الغاز كله إلى زمن النزاع المفتوح، لا إلى زمن التفاوض فقط. أما إذا هدأت الحرب وثبت الاتفاق واستؤنف العمل، فإن لبنان قد يربح وقتاً ثميناً وفرصة نادرة ليحول بحرَه من ساحة نزاع إلى بداية خلاص. لكن الحقيقة الأقسى تبقى هذه، في لبنان لم تكن المشكلة يوماً في نقص الثروة بل في عجز الدولة عن حماية الفرصة قبل أن تضيع.